سورة يوسف · الآية ٦٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لما تولى يوسف عليه السلام خزائن الأرض، دبرها أحسن تدبير، فزرع في أرض مصر جميعها في السنين الخصبة زروعا هائلة، واتخذ لها المحلات الكبار، وجبا من الأطعمة شيئا كثيرا وحفظه، وضبطه ضبطا تاما، فلما دخلت السنون المجدبة، وسرى الجدب حتى وصل إلى فلسطين، التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة إلى مصر، { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون } أي: لم يعرفوه. { ولما جهزهم بجهازهم } أي: كال لهم كما كان يكيل لغيرهم، وكان من تدبيره الحسن أنه لا يكيل لكل واحد أكثر من حمل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أن لهم أخا عند أبيه، وهو بنيامين. ف { قال } لهم: { ائتوني بأخ لكم من أبيكم } ثم رغبهم في الإتيان به فقال: { ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين } في الضيافة والإكرام. ثم رهبهم بعدم الإتيان به، فقال: { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون } وذلك لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه، وأن ذلك يحملهم على الإتيان به. ف { قالوا سنراود عنه أباه } دل هذا على أن يعقوب عليه السلام كان مولعا به لا يصبر عنه، وكان يتسلى به بعد يوسف، فلذلك احتاج إلى مراودة في بعثه معهم { وإنا لفاعلون } لما أمرتنا به. { وقال } يوسف { لفتيانه } الذين في خدمته: { اجعلوا بضاعتهم } أي: الثمن الذي اشتروا به من الميرة. { في رحالهم لعلهم يعرفونهآ } أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم، { لعلهم يرجعون } لأجل التحرج من أخذها على ما قيل، والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلا وافيا، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يحسون بها، ولا يشعرون لما يأتي، فإن الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمحسن. { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا الكيل } أي: إن لم ترسل معنا أخانا، { فأرسل معنآ أخانا نكتل } أي: ليكون ذلك سببا لكيلنا، ثم التزموا له بحفظه، فقالوا: { وإنا له …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما نبغي} [يوسف: 65] يقول: «ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفي لنا الكيل»
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٢٣٣) ↗التحرير والتنوير
65] ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65) أصل المتاع ما يتمتع به من العروض والثياب. وتقدم عند قوله تعالى: لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم في سورة النساء [102] . وأطلق هنا على أعدال المتاع وأحماله من تسمية الشيء باسم الحال فيه. وجملة قالوا يا أبانا مستأنفة استئنافا بيانيا لترقب السامع أن يعلم ماذا صدر منهم حين فجأهم وجدان بضاعتهم في ضمن متاعهم لأنه مفاجأة غريبة، ولهذه النكتة لم يعطف بالفاء. وما في قوله: ما نبغي يجوز أن يكون للاستفهام الإنكاري بتنزيل المخاطب منزلة من يتطلب منهم تحصيل بغية فينكرون أن تكون لهم بغية أخرى، أي ماذا نطلب بعد هذا. ويجوز كون ما نافية، والمعنى واحد لأن الاستفهام الإنكاري في معنى النفي. وجملة هذه بضاعتنا ردت إلينا مبينة لجملة ما نبغي على الاحتمالين. وإنما علموا أنها ردت إليهم بقرينة وضعها في العدل بعد وضع الطعام وهم قد كانوا دفعوها إلى الكيالين، أو بقرينة ما شاهدوا في يوسف- عليه السلام- من العطف عليهم، والوعد بالخير إن هم أتوا بأخيهم إذ قال لهم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين [سورة يوسف: 59] . وجملة ونمير أهلنا معطوفة على جملة هذه بضاعتنا ردت إلينا، لأنها في قوة هذا ثمن ما نحتاجه من الميرة صار إلينا ونمير به أهلنا، أي نأتيهم بالميرة. والميرة- بكسر الميم بعدها ياء ساكنة-: هي الطعام المجلوب.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٧) ↗