البيانابحثاسألالموضوعات

سورة يوسف · الآية ٤٩

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما أراد الله تعالى أن يخرج يوسف من السجن، أرى الله الملك هذه الرؤيا العجيبة، الذي تأويلها يتناول جميع الأمة، ليكون تأويلها على يد يوسف، فيظهر من فضله، ويبين من علمه ما يكون له رفعة في الدارين، ومن التقادير المناسبة أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها، لارتباط مصالحها به. وذلك أنه رأى رؤيا هالته، فجمع لها علماء قومه وذوي الرأي: منهم وقال: { إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع } أي: سبع من البقرات { عجاف } وهذا من العجب، أن السبع العجاف الهزيلات اللاتي سقطت قوتهن، يأكلن السبع السمان التي كن نهاية في القوة. { و } رأيت { سبع سنبلات خضر } يأكلهن سبع سنبلات { يابسات } { يأيها الملأ أفتوني في رؤياي } لأن تعبير الجميع واحد، وتأويله شيء واحد، { إن كنتم للرءيا تعبرون } فتحيروا، ولم يعرفوا لها وجها. و { قالوا أضغاث أحلام } أي: أحلام لا حاصل لها، ولا لها تأويل. وهذا جزم منهم بما لا يعلمون، وتعذر منهم، [بما ليس بعذر] ثم قالوا: { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس، فإنا لا نعبرها. فجمعوا بين الجهل والجزم، بأنها أضغات أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها، وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا، وهذا أيضا من لطف الله بيوسف عليه السلام. فإنه لو عبرها ابتداء - قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها - لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتما لها غاية، فعبرها يوسف - وقعت عندهم موقعا عظيما، وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا. ثم سأل آدم، فعلمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة، أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا بآدم، ثم بنوح، ثم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: {فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون} أي: مهما استغللتم (1) في هذه السبع السنين الخصب فاخزنوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع متواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكلن السمان؛ لأن سني (2) الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني (3) الخصب، وهن السنبلات اليابسات. وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء؛ ولهذا قال: {يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون} ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك {عام فيه يغاث الناس} أي: يأتيهم الغيث، وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم: يدخل (4) فيه حلب اللبن أيضا. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {وفيه يعصرون} يحلبون. يقول تعالى إخبارا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه، التي كان رآها، بما أعجبه وأينقه، فعرف فضل يوسف، عليه السلام، وعلمه [وحسن اطلاعه على رؤياه] (1) وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال {ائتوني به} أي: أخرجوه من السجن وأحضروه. فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلما وعدوانا، قال: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه، وعلو قدره وصبره، صلوات الله

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٩٣) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

لهن في السنين السبعة الخصبة من الطعام والأقوات. وقال جل ثناؤه: {يأكلن} [يوسف: 48] فوصف السنين بأنهن يأكلهن، وإنما المعنى: أن أهل تلك الناحية يأكلون فيهن، كما قيل: [البحر الطويل]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/١٩٠) ↗

التحرير والتنوير

قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) عبر الرؤيا بجميع ما دلت عليه، فالبقرات لسنين الزراعة، لأن البقرة تتخذ للإثمار. والسمن رمز للخصب. والعجف رمز للقحط. والسنبلات رمز للأقوات فالسنبلات الخضر رمز لطعام ينتفع به، وكونها سبعا رمز للانتفاع به في السبع السنين، فكل سنبلة رمز لطعام سنة، فذلك يقتاتونه في تلك السنين جديدا. والسنبلات اليابسات رمز لما يدخر، وكونها سبعا رمز لادخارها في سبع سنين لأن البقرات العجاف أكلت البقرات السمان، وتأويل ذلك: أن سني الجدب أتت على ما أثمرته سنو الخصب. وقوله: تزرعون خبر عما يكون من عملهم، وذلك أن الزرع عادتهم، فذكره إياه تمهيد للكلام الآتي ولذلك قيده ب دأبا. والدأب: العادة والاستمرار عليها. وتقدم في قوله: كدأب آل فرعون في سورة آل عمران [11] . وهو منصوب على الحال من ضمير يزرعون، أي كدأبكم. وقد مزج تعبيره بإرشاد جليل لأحوال التموين والادخار لمصلحة الأمة. وهو منام حكمته كانت رؤيا الملك لطفا من الله بالأمة التي آوت يوسف- عليه السلام-، ووحيا أوحاه الله إلى يوسف- عليه السلام- بواسطة رؤيا الملك، كما أوحى إلى سليمان- عليه السلام- بواسطة الطير. ولعل الملك قد استعد للصلاح والإيمان.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٨٦) ↗