سورة يوسف · الآية ٤٥
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أراد الله تعالى أن يخرج يوسف من السجن، أرى الله الملك هذه الرؤيا العجيبة، الذي تأويلها يتناول جميع الأمة، ليكون تأويلها على يد يوسف، فيظهر من فضله، ويبين من علمه ما يكون له رفعة في الدارين، ومن التقادير المناسبة أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها، لارتباط مصالحها به. وذلك أنه رأى رؤيا هالته، فجمع لها علماء قومه وذوي الرأي: منهم وقال: { إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع } أي: سبع من البقرات { عجاف } وهذا من العجب، أن السبع العجاف الهزيلات اللاتي سقطت قوتهن، يأكلن السبع السمان التي كن نهاية في القوة. { و } رأيت { سبع سنبلات خضر } يأكلهن سبع سنبلات { يابسات } { يأيها الملأ أفتوني في رؤياي } لأن تعبير الجميع واحد، وتأويله شيء واحد، { إن كنتم للرءيا تعبرون } فتحيروا، ولم يعرفوا لها وجها. و { قالوا أضغاث أحلام } أي: أحلام لا حاصل لها، ولا لها تأويل. وهذا جزم منهم بما لا يعلمون، وتعذر منهم، [بما ليس بعذر] ثم قالوا: { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس، فإنا لا نعبرها. فجمعوا بين الجهل والجزم، بأنها أضغات أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها، وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا، وهذا أيضا من لطف الله بيوسف عليه السلام. فإنه لو عبرها ابتداء - قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها - لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتما لها غاية، فعبرها يوسف - وقعت عندهم موقعا عظيما، وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا. ثم سأل آدم، فعلمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة، أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا بآدم، ثم بنوح، ثم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: {فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون} أي: مهما استغللتم (1) في هذه السبع السنين الخصب فاخزنوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع متواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكلن السمان؛ لأن سني (2) الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني (3) الخصب، وهن السنبلات اليابسات. وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء؛ ولهذا قال: {يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون} ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك {عام فيه يغاث الناس} أي: يأتيهم الغيث، وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم: يدخل (4) فيه حلب اللبن أيضا. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {وفيه يعصرون} يحلبون. يقول تعالى إخبارا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه، التي كان رآها، بما أعجبه وأينقه، فعرف فضل يوسف، عليه السلام، وعلمه [وحسن اطلاعه على رؤياه] (1) وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال {ائتوني به} أي: أخرجوه من السجن وأحضروه. فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلما وعدوانا، قال: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه، وعلو قدره وصبره، صلوات الله
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٩٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
صاحبي السجن اللذين استعبرا يوسف الرؤيا {وادكر} [يوسف: 45] يقول: وتذكر ما كان نسي من أمر يوسف، وذكر حاجته للملك التي كان سأله عند تعبيره رؤياه أن يذكرها له بقوله: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] ، {بعد أمة} [يوسف: 45] يعني بعد حين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/١٨١) ↗التحرير والتنوير
الضميران إلى ما عاد إليه ضمير وقال أي يوسف- عليه السلام- أنساه الشيطان ذكر الله، فالذكر الثاني غير الذكر الأول. ولعل كلا الاحتمالين مراد، وهو من بديع الإيجاز. وذلك أن نسيان يوسف- عليه السلام- أن يسأل الله إلهام الملك تذكر شأنه كان من إلقاء الشيطان في أمنيته، وكان ذلك سببا إلهيا في نسيان الساقي تذكير الملك، وكان ذلك عتابا إلهيا ليوسف- عليه السلام- على اشتغاله بعون العباد دون استعانة ربه على خلاصه. ولعل في إيراد هذا الكلام على هذا التوجيه تلطفا في الخبر عن يوسف- عليه السلام-، لأن الكلام الموجه في المعاني الموجهة ألطف من الصريح. والبضع: من الثلاث إلى التسع. وفيما حكاه القرآن عن حال سجنهم ما ينبىء على أن السجن لم يكن مضبوطا بسجل يذكر فيه أسماء المساجين، وأسباب سجنهم، والمدة المسجون إليها، ولا كان من وزعة السجون ولا ممن فوقهم من يتعهد أسباب السجن ويفتقد أمر المساجين ويرفع إلى الملك في يوم من الأسبوع أو من العام. وهذا من الإهمال والتهاون بحقوق الناس وقد أبطله الإسلام، فإن من الشريعة أن ينظر القاضي أول ما ينظر فيه كل يوم أمر المساجين. [43- 45] وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) هذا عطف جزء من قصة على جزء منها تكملة لوصف خلاص يوسف- عليه السلام- من السجن.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٧٩) ↗