سورة يوسف · الآية ٣٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { و } لما دخل يوسف السجن، كان في جملة من { دخل معه السجن فتيان } أي: شابان، فرأى كل واحد منهما رؤيا، فقصها على يوسف ليعبرها، ف { قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا } وذلك الخبز { تأكل الطير منه نبئنا بتأويله } أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: { إنا نراك من المحسنين } أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسن إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسلا ليوسف بإحسانه. ف { قال } لهما مجيبا لطلبتهما: { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما } أي: فلتطمئن قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما. ولعل يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بدت حاجتهما إليه، ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما. ثم قال: { ذلكما } التعبير الذي سأعبره لكما { مما علمني ربي } أي: هذا من علم الله علمنيه وأحسن إلي به، وذلك { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون } والترك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه، يكون لمن لم يدخل فيه أصلا. فلا يقال: إن يوسف كان من قبل، على غير ملة إبراهيم. { واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } ثم فسر تلك الملة بقوله: { ما كان لنآ } أي: ما ينبغي ولا يليق بنا { أن نشرك بالله من شيء } بل نفرد الله بالتوحيد، ونخلص له الدين والعبادة. { ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس } أي: هذا من أفضل مننه وإحسانه وفضله علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا، فإنه لا أفضل من منة الله على العباد بالإسلام والدين القويم، فمن قبله وانقاد له فهو حظه، وقد حصل له أكبر النعم وأجل الفضائل. { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } فلذلك تأتيهم المنة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال مجاهد: يقول: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} [في نومكما] (1) {إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} وكذا قال السدي. وقال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا محمد بن يزيد -شيخ له -حدثنا رشدين، عن الحسن بن ثوبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أدري لعل يوسف، عليه السلام، كان يعتاف وهو كذلك، لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} قال: إذا جاء الطعام حلوا أو مرا اعتاف عند ذلك. ثم قال ابن عباس: إنما علم فعلم. وهذا أثر (2) غريب. ثم قال: وهذا إنما هو من تعليم الله إياي؛ لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد. {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع المرسلين، وأعرض عن طريق الظالمين (3) فإنه يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلمه، ويجعله إماما يقتدى (4) به في الخير، وداعيا إلى سبيل الرشاد. {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس} هذا التوحيد -وهو الإقرار بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، {من فضل الله علينا} أي: أوحاه إلينا، وأمرنا به {وعلى الناس} إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} (5) أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل {بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أنه كان يجعل الجد أبا، ويقول: والله فمن (6) شاء لاعناه عند الحجر، ما ذكر الله جدا ولا جدة، قال الله تعالى -يعني إخبارا عن يوسف: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} ثم إن يوسف، عليه السلام، أقبل على الفتيين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
منامكما {طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} [يوسف: 37] في يقظتكما {قبل أن يأتيكما} [يوسف: 37] . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: " قال يوسف لهما: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} [يوسف: 37] في النوم {إلا نبأتكما بتأويله} [يوسف: 37] في اليقظة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قال يوسف لهما: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} [يوسف: 37] يقول: في نومكما {إلا نبأتكما بتأويله} [يوسف: 37] " PageEndV13P160 ويعني بقوله {بتأويله} [يوسف: 36] : ما يئول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/١٥٩) ↗التحرير والتنوير
وجملة إنا نراك تعليل لانتفاء المستفاد من نبئنا. [37، 38] 38] قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون (37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) جملة قال لا يأتيكما جواب عن كلامهما ففصلت على أسلوب حكاية جمل التحاور. أراد بهذا الجواب أن يفترص إقبالهما عليه وملازمة الحديث معه إذ هما يترقبان تعبيره الرؤيا فيدمج في ذلك دعوتهما إلى الإيمان الصحيح مع الوعد بأنه يعبر لهما رؤياهما غير بعيد، وجعل لذلك وقتا معلوما لهم، وهو وقت إحضار طعام المساجين إذ ليس لهم في السجن حوادث يوقتون بها، ولأن انطباق الأبواب وإحاطة الجدران يحول بينهم وبين رؤية الشمس، فليس لهم إلا حوادث أحوالهم من طعام أو نوم أو هبوب منه. ويظهر أن أمد إتيان الطعام حينئذ لم يكن بعيدا كما دل عليه قوله: قبل أن يأتيكما من تعجيله لهما تأويل رؤياهما وأنه لا يتريث في ذلك. ووصف الطعام بجملة ترزقانه تصريح بالضبط بأنه طعام معلوم الوقت لا ترقب طعام يهدى لهما بحيث لا ينضبط حصوله.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٧٠) ↗