سورة يوسف · الآية ٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها، ويقلن: { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا } أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغا عظيما. { قد شغفها حبا } أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب، { إنا لنراها في ضلال مبين } حيث وجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحط قدرها وتضعه عند الناس، وكان هذا القول منهن مكرا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فتنت به امرأة العزيز لتحنق امرأة العزيز، وتريهن إياه ليعذرنها، ولهذا سماه مكرا، فقال: { فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن } تدعوهن إلى منزلها للضيافة. { وأعتدت لهن متكئا } أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج إلى سكين، إما أترج، أو غيره، { وآتت كل واحدة منهن سكينا } ليقطعن فيها ذلك الطعام { وقالت } ليوسف: { اخرج عليهن } في حالة جماله وبهائه. { فلما رأينه أكبرنه } أي: أعظمنه في صدورهن، ورأين منظرا فائقا لم يشاهدن مثله، { وقطعن } من الدهش { أيديهن } بتلك السكاكين اللاتي معهن، { وقلن حاش لله } أي: تنزيها لله { ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم } وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء، ما كان به آية للناظرين، وعبرة للمتأملين. فلما تقرر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز، شيء كثير - أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة فقالت معلنة لذلك ومبينة لحبه الشديد غير مبالية، ولأن اللوم انقطع عنها من النسوة: { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } أي: امتنع وهي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نفسها، {قد شغفها حبا} أي قد: وصل حبه إلى شغاف قلبها. وهو غلافه. قال الضحاك عن ابن عباس: الشغف: الحب القاتل، والشغف دون ذلك، والشغاف: حجاب القلب. {إنا لنراها في ضلال مبين} أي: في صنيعها هذا من حبها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه. {فلما سمعت بمكرهن} قال بعضهم: بقولهن. وقال محمد بن إسحاق: بل (1) بلغهن حسن يوسف، فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك {أرسلت إليهن} أي: دعتهن إلى منزلها لتضيفهن {وأعتدت لهن متكأ} قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، والسدي، وغيرهم: هو المجلس المعد، فيه مفارش ومخاد وطعام، فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج (2) ونحوه. ولهذا قال تعالى: {وآتت كل واحدة منهن سكينا} وكان هذا مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته، {وقالت اخرج عليهن} وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر، {فلما} خرج و {رأينه أكبرنه} أي: أعظمن شأنه، وأجللن قدره؛ وجعلن يقطعن أيديهن دهشا برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج (3) بالسكاكين، والمراد: أنهن حززن أيديهن بها، قاله غير واحد. وعن مجاهد، وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها، فالله (4) أعلم. وقد ذكر عن زيد بن أسلم أنها قالت لهن بعدما أكلن وطابت أنفسهن، ثم وضعت بين أيديهن أترجا (5) وآتت كل واحدة منهن سكينا: هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم. فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن (6) فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع فرجع ليرينه مقبلا ومدبرا، وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن، فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هكذا، فكيف ألام أنا؟ فقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم، ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد الذي رأينا، لأنهن لم يرين في البشر شبهه ولا قريبا منه، فإنه، صلوات الله عليه وسلم (7) كان قد أعطي شطر الحسن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء: أن رسول الله صلى الله عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ما أصابكن من ذهاب العقل وغروب الفهم، ولها إليه حتى قطعتن أيديكن، هو الذي لمتنني في حبي إياه، وشغف فؤادي به، فقلتن: قد شغف امرأة العزيز فتاها حبا إنا لنراها في ضلال مبين. ثم أقرت لهن بأنها قد راودته عن نفسه، وأن الذي تحدثن به عنها في أمره حق، فقالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} [يوسف: 32] مما راودته عليه من ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/١٤١) ↗التحرير والتنوير
ومجيء تراود بصيغة المضارع مع كون المراودة مضت لقصد استحضار الحالة العجيبة لقصد الإنكار عليها في أنفسهن ولومها على صنيعها. ونظيره في استحضار الحالة قوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [سورة هود: 74] . وجملة قد شغفها حبا في موضع التعليل لجملة تراود فتاها. وجملة إنا لنراها في ضلال مبين استئناف ابتدائي لإظهار اللوم والإنكار عليها. والتأكيد ب (إن) واللام لتحقيق اعتقادهن ذلك، وإبعادا لتهمتهن بأنهن يحسدنها على ذلك الفتى. والضلال هنا: مخالفة طريق الصواب، أي هي مفتونة العقل بحب هذا الفتى، وليس المراد الضلال الديني. وهذا كقوله تعالى آنفا: إن أبانا لفي ضلال مبين [سورة يوسف: 8] . [31، 32] 32] فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) حق سمع أن يعدى إلى المسموع بنفسه، فتعديته بالباء هنا إما لأنه ضمن معنى أخبرت، كقول المثل: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أي تخبر عنه. وإما أن تكون الباء مزيدة للتوكيد مثل قوله تعالى: وامسحوا برؤسكم [سورة المائدة: 6] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٦١) ↗