سورة يوسف · الآية ٣٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها، ويقلن: { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا } أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغا عظيما. { قد شغفها حبا } أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب، { إنا لنراها في ضلال مبين } حيث وجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحط قدرها وتضعه عند الناس، وكان هذا القول منهن مكرا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فتنت به امرأة العزيز لتحنق امرأة العزيز، وتريهن إياه ليعذرنها، ولهذا سماه مكرا، فقال: { فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن } تدعوهن إلى منزلها للضيافة. { وأعتدت لهن متكئا } أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج إلى سكين، إما أترج، أو غيره، { وآتت كل واحدة منهن سكينا } ليقطعن فيها ذلك الطعام { وقالت } ليوسف: { اخرج عليهن } في حالة جماله وبهائه. { فلما رأينه أكبرنه } أي: أعظمنه في صدورهن، ورأين منظرا فائقا لم يشاهدن مثله، { وقطعن } من الدهش { أيديهن } بتلك السكاكين اللاتي معهن، { وقلن حاش لله } أي: تنزيها لله { ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم } وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء، ما كان به آية للناظرين، وعبرة للمتأملين. فلما تقرر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز، شيء كثير - أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة فقالت معلنة لذلك ومبينة لحبه الشديد غير مبالية، ولأن اللوم انقطع عنها من النسوة: { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } أي: امتنع وهي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
والخاطئ: فاعل الخطيئة، وهي الجريمة. وجعلها من زمرة الذين خطئوا تخفيفا في مؤاخذتها. وصيغة جمع المذكر تغليب. وجملة يوسف أعرض عن هذا من قول العزيز إذ هو صاحب الحكم. وجملة واستغفري لذنبك عطف على جملة يوسف أعرض في كلام العزيز عطف أمر على أمر والمأمور مختلف. وكاف المؤنثة المخاطبة متعين أنه خطاب لامرأة العزيز، فالعزيز بعد أن خاطبها بأن ما دبرته هو من كيد النساء وجه الخطاب إلى يوسف- عليه السلام- بالنداء ثم أعاد الخطاب إلى المرأة. وهذا الأسلوب من الخطاب يسمى بالإقبال، وقد يسمى بالالتفات بالمعنى اللغوي عند الالتفات البلاغي، وهو عزيز في الكلام البليغ. ومنه قول الجرمي من طي من شعراء الحماسة: إخالك موعدي ببني جفيف ... وهالة إنني أنهاك هالا قال المرزوقي في «شرح الحماسة» : والعرب تجمع في الخطاب والإخبار بين عدة ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم أو أحسنهم سماعا وأخصهم بالحال. [30] وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) النسوة: اسم جمع امرأة لا مفرد له، وهو اسم جمع قلة مثله نساء. وتقدم في قوله تعالى: ونساءنا ونساءكم في سورة آل عمران [61] . وقوله: في المدينة صفة لنسوة. والمقصود من ذكر هذه الصفة أنهن كن متفرقات في ديار من المدينة. وهذه المدينة هي قاعدة مصر السفلى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٥٩) ↗