سورة الناس · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة برب الناس ومالكهم وإلههم، من الشيطان الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها، الذي من فتنته وشره، أنه يوسوس في صدور الناس، فيحسن [لهم] الشر، ويريهم إياه في صورة حسنة، وينشط إرادتهم لفعله، ويقبح لهم الخير ويثبطهم عنه، ويريهم إياه في صورة غير صورته، وهو دائما بهذه الحال يوسوس ويخنس أي: يتأخر إذا ذكر العبد ربه واستعان على دفعه. فينبغي له أن [يستعين و] يستعيذ ويعتصم بربوبية الله للناس كلهم. وأن الخلق كلهم داخلون تحت الربوبية والملك، فكل دابة هو آخذ بناصيتها. وبألوهيته التي خلقهم لأجلها، فلا تتم لهم إلا بدفع شر عدوهم، الذي يريد أن يقتطعهم عنها ويحول بينهم وبينها، ويريد أن يجعلهم من حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، والوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس، ولهذا قال: { من الجنة والناس }. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الناس ١–٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… سكن له زنقه -أو: ألجمه". قال أبو هريرة: وأنتم ترون ذلك، أما المزنوق فتراه مائلا-كذا-لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله، عز وجل. تفرد به أحمد (1) . وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {الوسواس الخناس} قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس. وكذا قال مجاهد، وقتادة. وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: ذكر لي أن الشيطان، أو: الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {الوسواس} قال: هو الشيطان يأمر، فإذا أطيع خنس. وقوله: {الذي يوسوس في صدور الناس} هل يختص هذا ببني آدم -كما هو الظاهر -أو يعم بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبا. وقال ابن جرير: وقد استعمل فيهم (رجال من الجن) فلا بدع في إطلاق الناس عليهم. وقوله: {من الجنة والناس} هل هو تفصيل لقوله: {الذي يوسوس في صدور الناس} ثم بينهم فقال: {من الجنة والناس} وهذا يقوي القول الثاني. وقيل قوله: {من الجنة والناس} تفسير للذي يوسوس في صدور الناس، من شياطين الإنس والجن، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام: 112] ، وكما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، حدثنا أبو عمر الدمشقي، حدثنا عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فجلست، فقال: "يا أبا ذر، هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن". قال: قلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". قال: قلت: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: "خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر". قلت: يا رسول الله فما الصوم؟ قال: "فرض يجزئ، وعند الله مزيد". قلت: يا رسول الله، فالصدقة؟ قال: "أضعاف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
وعدد آيها ست آيات، وذكر في «الإتقان» قولا: إنها سبع آيات وليس معزوا لأهل إرشاد النبيء صلى الله عليه وسلم لأن يتعوذ بالله ربه من شر الوسواس الذي يحاول إفساد عمل النبيء صلى الله عليه وسلم وإفساد إرشاده الناس ويلقي في نفوس الناس الإعراض عن دعوته. وفي هذا الأمر إيماء إلى أن الله تعالى معيذه من ذلك فعاصمه في نفسه من تسلط وسوسة الوسواس عليه، ومتمم دعوته حتى تعم في الناس. ويتبع ذلك تعليم المسلمين التعوذ بذلك، فيكون لهم من هذا التعوذ ما هو حظهم من قابلية التعرض إلى الوسواس، ومع السلامة منه بمقدار مراتبهم في الزلفى. [1- 6] بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) شابهت فاتحتها فاتحة سورة الفلق إلا أن سورة الفلق تعوذ من شرور المخلوقات من حيوان وناس، وسورة الناس تعوذ من شرور مخلوقات خفية وهي الشياطين. والقول في الأمر بالقول، وفي المقول، وفي أن الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم، والمقصود شموله أمته، كالقول في نظيرة من سورة الفلق سواء. وعرف (رب) بإضافته إلى الناس دون غيرهم من المربوبين لأن الاستعاذة من شر يلقيه الشيطان في قلوب الناس فيضلون ويضلون، فالشر المستعاذ منه مصبه إلى الناس، فناسب أن يستحضر المستعاذ إليه بعنوان أنه رب من يلقون الشر ومن يلقى إليهم ليصرف هؤلاء ويدفع عن الآخرين كما يقال لمولى العبد: يا مولى فلان كف عني عبدك. وقد رتبت أوصاف الله بالنسبة إلى الناس ترتيبا مدرجا فإن الله خالقهم، ثم هم غير خارجين عن حكمه إذا شاء أن يتصرف في شؤونهم، ثم زيد بيانا بوصف
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٦٣٢) ↗