سورة هود · الآية ٧٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى } إلى آخر القصة أي: { ولقد جآءت رسلنآ } من الملائكة الكرام، رسولنا { إبراهيم } الخليل { بالبشرى } أي: بالبشارة بالولد، حين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يمروا على إبراهيم، فيبشروه بإسحاق، فلما دخلوا عليه { قالوا سلاما قال سلام } أي: سلموا عليه، ورد عليهم السلام. ففي هذا مشروعية السلام، وأنه لم يزل من ملة إبراهيم عليه السلام، وأن السلام قبل الكلام، وأنه ينبغي أن يكون الرد أبلغ من الابتداء، لأن سلامهم بالجملة الفعلية الدالة على التجدد، ورده بالجملة الاسمية، الدالة على الثبوت والاستمرار، وبينهما فرق كبير كما هو معلوم في علم العربية. { فما لبث } إبراهيم لما دخلوا عليه { أن جآء بعجل حنيذ } أي: بادر لبيته، فاستحضر لأضيافه عجلا مشويا على الرضف سمينا، فقربه إليهم فقال: ألا تأكلون؟ { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } أي: إلى تلك الضيافة { نكرهم وأوجس منهم خيفة } وظن أنهم أتوه بشر ومكروه، وذلك قبل أن يعرف أمرهم. ف { قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } أي: إنا رسل الله، أرسلنا الله إلى إهلاك قوم لوط. وامرأة إبراهيم { قآئمة } تخدم أضيافه { فضحكت } حين سمعت بحالهم، وما أرسلوا به، تعجبا. { فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب } فتعجبت من ذلك و { قالت يويلتى ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا } فهذان مانعان من وجود الولد { إن هذا لشيء عجيب }. { قالوا أتعجبين من أمر الله } فإن أمره لا عجب فيه، لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصا فيما يدبره ويمضيه لأهل هذا البيت المبارك. { رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت } أي: لا تزال رحمته وإحسانه وبركاته، وهي: الزيادة من خيره وإحسانه، وحلول الخير الإلهي على العبد { عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال، حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: إنه قد نفذ فيهم القضاء، وحقت عليهم الكلمة بالهلاك، وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين. يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة (1) بعد ما أعلموا (2) إبراهيم بهلاكهم، وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة. فانطلقوا من عنده، فأتوا لوطا (3) عليه السلام، وهو -على ما (4) قيل -في أرض له [يعمرها] (5) وقيل: [بل كان] (6) في منزله، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون، على هيئة شبان (7) حسان الوجوه، ابتلاء من الله [واختبارا] (8) وله الحكمة والحجة البالغة، [فنزلوا عليه] (9) فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم، وخشي إن لم يضفهم (10) أن يضيفهم أحد من قومه، فينالهم بسوء، {وقال هذا يوم عصيب} . قال ابن عباس [ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق] (11) وغير واحد [من الأئمة] (12) شديد بلاؤه وذلك أنه علم أنه سيدافع [قومه] (13) عنهم، ويشق عليه ذلك. وذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له [يعمل فيها] (14) فتضيفوه (15) فاستحيا منهم، فانطلق أمامهم وقال (16) لهم في أثناء الطريق، كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء. ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم، حتى كرره أربع مرات قال قتادة: وقد كانوا أمروا ألا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك. وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية (17) لوط (18) فبلغوا (19) نهر سدون نصف النهار، ولقوا بنت (20) لوط تستقي [من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى رثيا والصغرى زغرتا] (21) فقالوا [لها] (22) يا جارية، هل من منزل؟ فقالت [لهم] (23) مكانكم حتى آتيكم، وفرقت عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه، أدرك فتيانا على باب المدينة، ما رأيت
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٣٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فلما ذهب عن إبراهيم الروع،} [هود: 74] يقول: ذهب عنه الخوف، {وجاءته البشرى} [هود: 74] بإسحاق " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، " {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى،} [هود: 74] بإسحاق، ويعقوب ولدا من صلب إسحاق، وأمن مما كان يخاف؛ قال: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} " وقد قيل معنى ذلك: وجاءته البشرى أنهم ليسوا إياه يريدون ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {وجاءته البشرى} [هود: 74] قال: حين أخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط، وأنهم ليسوا إياه PageEndV12P487 يريدون "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٤٨٦) ↗التحرير والتنوير
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) التعريف في الروع وفي البشرى تعريف العهد الذكري، وهما المذكوران آنفا، فالروع: مرادف الخيفة. وقوله: يجادلنا هو جواب فلما صيغ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة كقوله: ويصنع الفلك [هود: 38] . والمجادلة: المحاورة. وقد تقدمت في قوله: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم في سورة النساء [107] . وقوله: في قوم لوط على تقدير مضاف، أي في عقاب قوم لوط. وهذا من تعليق الحكم باسم الذات، والمراد حال من أحوالها يعينه المقام، كقوله: حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] أي أكلها. والمجادلة هنا: دعاء ومناجاة سأل بها إبراهيم- عليه السلام- ربه العفو عن قوم لوط خشية إهلاك المؤمنين منهم. وقد تكون المجادلة مع الملائكة. وعديت إلى ضمير الجلالة لأن المقصود من جدال الملائكة التعرض إلى أمر الله بصرف العذاب عن قوم لوط. والحليم الموصوف بالحلم وهو صفة تقتضي الصفح واحتمال الأذى. والأواه أصله الذي يكثر التأوه، وهو قول: أوه. وأوه: اسم فعل نائب مناب أتوجع، وهو هنا كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٢٣) ↗