البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة هود · الآية ٥

﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن جهل المشركين، وشدة ضلالهم، أنهم { يثنون صدورهم } أي: يميلونها { ليستخفوا } من الله، فتقع صدورهم حاجبة لعلم الله بأحوالهم، وبصره لهيئاتهم. قال تعالى - مبينا خطأهم في هذا الظن - { ألا حين يستغشون ثيابهم } أي: يتغطون بها، يعلمهم في تلك الحال، التي هي من أخفى الأشياء. بل { يعلم ما يسرون } من الأقوال والأفعال { وما يعلنون } منها، بل ما هو أبلغ من ذلك، وهو: { إنه عليم بذات الصدور } أي: بما فيها من الإرادات، والوساوس، والأفكار التي لم ينطقوا بها، سرا ولا جهرا، فكيف تخفى عليه حالكم، إذا ثنيتم صدوركم لتستخفوا منه. ويحتمل أن المعنى في هذا أن الله يذكر إعراض المكذبين للرسول الغافلين عن دعوته، أنهم - من شدة إعراضهم - يثنون صدورهم، أي: يحدودبون حين يرون الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يراهم ويسمعهم دعوته، ويعظهم بما ينفعهم، فهل فوق هذا الإعراض شيء؟!! ثم توعدهم بعلمه تعالى بجميع أحوالهم، وأنهم لا يخفون عليه، وسيجازيهم بصنيعهم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: هود ٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال البخاري: وقال غيره، عن ابن عباس: {يستغشون} يغطون رءوسهم (1) . وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية: يعني به الشك في الله، وعمل السيئات، وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وغيرهم: أي أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئا أو عملوه، يظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأعلمهم الله تعالى أنهم (2) حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل، {يعلم ما يسرون} (3) من القول: {وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} أي: يعلم ما تكن صدورهم من النيات والضمائر والسرائر. وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم %~% ليخفى، فمهما يكتم (4) الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر %~% ليوم حساب، أو يعجل فينقم (5) (6) فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات، وبالمعاد وبالجزاء، وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة. وقال عبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى (7) صدره، وغطى رأسه فأنزل الله ذلك. وعود الضمير (8) على الله أولى؛ لقوله: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} . وقرأ ابن عباس: "ألا إنهم تثنوني (9) صدورهم"، برفع الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى. أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات، من سائر دواب الأرض، صغيرها وكبيرها، بحريها، وبريها، وأنه {يعلم مستقرها ومستودعها} أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض، وأين تأوي إليه من وكرها، وهو مستودعها. وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس: {ويعلم مستقرها} أي: حيث تأوي، {ومستودعها} حيث تموت. وعن مجاهد: {مستقرها} في الرحم، {ومستودعها} في الصلب، كالتي في الأنعام: وكذا روي عن ابن عباس والضحاك، وجماعة. وذكر (1) ابن أبي حاتم أقوال المفسرين هاهنا، كما ذكره

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٠٥) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

والصدور منصوبة. واختلفت قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: ذلك كان من فعل بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم غطى وجهه وثنى ظهره ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن عبد الله بن شداد، في قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] قال: كان أحدهم إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بثوبه على وجهه، وثنى ظهره " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عبد الله بن شداد بن الهاد. قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان المنافقون إذا مروا به ثنى أحدهم صدره ويطأطئ رأسه، فقال الله: {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] الآية " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن حصين، قال: سمعت عبد الله بن شداد يقول، في قوله: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره، وتغشى بثوبه كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم " وقاله آخرون: بل كانوا يفعلون ذلك جهلا منهم بالله وظنا أن الله يخفى عليه، ما تضمره صدورهم إذا فعلوا ذلك. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: شكا وامتراء في الحق، ليستخفوا من الله إن استطاعوا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] شكا وامتراء في الحق. {ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: من الله إن استطاعوا " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن PageEndV12P318 مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: تضيق شكا " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

وجملة: وهو على كل شيء قدير معطوفة على جملة: إلى الله مرجعكم، أي فما ظنكم برجوعكم إلى القادر على كل شيء وقد عصيتم أمره أليس يعذبكم عذابا كبيرا. [5] 5] ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) حول أسلوب الكلام عن مخاطبة النبيء- عليه الصلاة والسلام- بما أمر بتبليغه إلى إعلامه بحال من أحوال الذين أمر بالتبليغ إليهم في جهلهم بإحاطة علم الله تعالى بكل حال من الكائنات من الذوات والأعمال ظاهرها وخفيها، فقدم لذلك إبطال وهم من أوهام أهل الشرك أنهم في مكنة من إخفاء بعض أحوالهم عن الله تعالى، فكان قوله: ألا إنهم يثنون صدورهم إلخ تمهيدا لقوله: يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور، جمعا بين إخبارهم بإحاطة علم الله بالأشياء وبين إبطال توهماتهم وجهلهم بصفات الله. وقد نشأ هذا الكلام عن قوله تعالى: إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير [هود: 4] لمناسبة أن المرجوع إليه لما كان موصوفا بتمام القدرة على كل شيء هو أيضا موصوف بإحاطة علمه بكل شيء للتلازم بين تمام القدرة وتمام العلم. وافتتاح الكلام بحرف التنبيه ألا للاهتمام بمضمونه لغرابة أمرهم المحكي وللعناية بتعليم إحاطة علم الله تعالى. وضمائر الجماعة الغائبين عائدة إلى المشركين الذين أمر النبيء صلى الله عليه وسلم بالإبلاغ إليهم في قوله: أن لا تعبدوا إلا الله [هود: 2] وليس بالتفات. وضمائر الغيبة للمفرد عائدة إلى اسم الجلالة في قوله: إلى الله مرجعكم [هود: 4] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٣٢٠) ↗