سورة هود · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين } إلى آخر القصة أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين { إلى قومه } يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: { إني لكم نذير مبين } أي: بينت لكم ما أنذرتكم به بيانا زال به الإشكال. { أن لا تعبدوا إلا الله } أي: أخلصوا العبادة لله وحده، واتركوا كل ما يعبد من دون الله. { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } إن لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } أي: الأشراف والرؤساء، رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد دعوة المرسلين. { ما نراك إلا بشرا مثلنا } وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب الذي لا ينبغي غيره، لأن البشر يتمكن البشر أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف الملائكة. { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة بزعمهم. وهم في الحقيقة الأشراف وأهل العقول الذين انقادوا للحق، ولم يكونوا كالأراذل الذين يقال لهم الملأ، الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟ وقولهم: { بادي الرأي } أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية التي تحتاج إلى تأمل وفكر طويل. { وما نرى لكم علينا من فضل } أي: لستم أفضل منا فننقاد لكم، { بل نظنكم كاذبين } وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه. ولهذا { قال } لهم نوح مجاوبا { يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } أي: على يقين وجزم، يعني، وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن نوح، عليه السلام، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه: {إني لكم نذير مبين} أي: ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله؛ ولهذا قال: {أن لا تعبدوا إلا الله} وقوله {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} أي إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذابا أليما موجعا شاقا في الدار الآخرة. {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} والملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم: {ما نراك إلا بشرا مثلنا} أي: لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك (1) اتبعك إلا أراذلنا (2) كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء [منا] (3) ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترو منهم ولا فكرة ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك (4) ؛ ولهذا قال: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} أي: في أول بادئ الرأي، {وما نرى لكم علينا من فضل} يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق، ولا رزق ولا حال، لما دخلتم في دينكم هذا، {بل نظنكم كاذبين} أي: فيما تدعونه (5) لكم من البر والصلاح والعبادة، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها. هذا اعتراض الكافرين على نوح، عليه السلام، وأتباعه، وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل (6) بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء. ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] ، (7) ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي صلى الله عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بالوالدين على موضعها، كما قال الشاعر: [البحر الوافر] معاوي إننا بشر فأسجح %~% فلسنا بالجبال ولا الحديدا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/١٩٠) ↗التحرير والتنوير
والتفصيل: التوضيح والبيان. وهو مشتق من الفصل بمعنى التفريق بين الشيء وغيره بما يميزه، فصار كناية مشهورة عن البيان لما فيه من فصل المعاني. وقد تقدم عند قوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين في سورة الأنعام [55] . ونظيره: الفرق، كنى به عن البيان فسمي القرآن فرقانا. وعن الفصل فسمي يوم بدر يوم الفرقان، ومنه في ذكر ليلة القدر فيها يفرق كل أمر حكيم [الدخان: 4] . و (ثم) للتراخي في الرتبة كما هو شأنها في عطف الجمل لما في التفصيل من الاهتمام لدى النفوس لأن العقول ترتاح إلى البيان والإيضاح. ومن لدن حكيم خبير أي من عند الموصوف بإبداع الصنع لحكمته، وإيضاح التبيين لقوة علمه. والخبير: العالم بخفايا الأشياء، وكلما كثرت الأشياء كانت الإحاطة بها أعز، فالحكيم مقابل ل أحكمت، والخبير مقابل ل فصلت. وهما وإن كانا متعلق العلم ومتعلق القدرة إذ القدرة لا تجري إلا على وفق العلم، إلا أنه روعي في المقابلة الفعل الذي هو أثر إحدى الصفتين أشد تبادرا فيه للناس من الآخر وهذا من بليغ المزاوجة. [2] 2] ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) (أن) تفسيرية لما في معنى أحكمت آياته ثم فصلت [هود: 1] من الدلالة على أقوال محكمة ومفصلة فكأنه قيل: أوحي إليك في هذا الكتاب أن لا تعبدوا إلا الله، فهذه الجملة تفسيرية لما أحكم من الآيات لأن النهي عن عبادة غير الله وإيجاب عبادة الله هو أصل الدين، وإليه مرجع جميع الصفات التي ثبتت لله تعالى بالدليل، وهو الذي يتفرع عنه جميع التفاصيل، ولذلك تكرر
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٣١٥) ↗