سورة هود · الآية ٢٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { إن الذين آمنوا } بقلوبهم، أي: صدقوا واعترفوا، لما أمر الله بالإيمان به من أصول الدين وقواعده. { وعملوا الصالحات } المشتملة على أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان. { وأخبتوا إلى ربهم } أي: خضعوا له واستكانوا لعظمته، وذلوا لسلطانه، وأنابوا إليه بمحبته وخوفه ورجائه والتضرع إليه. { أولئك } الذين جمعوا تلك الصفات { أصحاب الجنة هم فيها خالدون } لأنهم لم يتركوا من الخير مطلبا، إلا أدركوه، ولا خيرا، إلا سبقوا إليه. { مثل الفريقين } أي: فريق الأشقياء وفريق السعداء. { كالأعمى والأصم } هؤلاء الأشقياء، { والبصير والسميع } مثل السعداء. { هل يستويان مثلا } لا يستوون مثلا، بل بينهما من الفرق ما لا يأتي عليه الوصف، { أفلا تذكرون } الأعمال التي تنفعكم فتفعلونها، والأعمال التي تضركم فتتركونها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: هود ٢٣–٢٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… والضلالات المتفرقة، {ليس بخارج منها} أي: لا يهتدي إلى منفذ، ولا مخلص (4) مما هو فيه، [وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل"] (5) كما قال تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 257] . و [كما] (6) قال تعالى: {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم} [الملك: 22] ، وقال تعالى: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون} [هود: 24] ، وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير} [فاطر: 19 -23] . والآيات في هذا كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين هاهنا بالنور والظلمات، ما (7) تقدم في أول السورة: {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1] . وزعم (8) بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل: عمر بن الخطاب هو الذي كان ميتا فأحياه الله، وجعل له نورا يمشي به في الناس. وقيل: عمار بن ياسر. وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها: أبو جهل عمرو بن هشام، لعنه الله. والصحيح أن الآية عامة، يدخل فيها كل مؤمن وكافر.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٣٣٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
به؛ لشغله بكفره بالله، وغلبة خذلان الله عليه، لا يسمع داعي الله إلى الرشاد، فيجيبه إلى الهدى فيهتدي به، فهو مقيم في ضلالته، يتردد في حيرته. والسميع والبصير، فكذلك فريق الإيمان أبصر حجج الله، وأقر بما دلت عليه من توحيد الله، والبراءة من الآلهة والأنداد ونبوة الأنبياء عليهم السلام وسمع داعي الله فأجابه، وعمل بطاعة الله. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} [هود: 24] قال: الأعمى والأصم: الكافر، والبصير والسميع: المؤمن " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} [هود: 24] الفريقان الكافران، والمؤمنان، فأما الأعمى والأصم فالكافران، وأما البصير والسميع فهما المؤمنان " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} [هود: 24] الآية، هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، فأما الكافر فصم عن الحق، فلا يسمعه، وعمي عنه فلا يبصره. وأما المؤمن فسمع الحق، فانتفع به وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به " يقول تعالى: {هل يستويان مثلا} [هود: 24] يقول: هل يستوي هذان الفريقان على اختلاف حالتيهما في أنفسهما عندكم أيها الناس؟ فإنهما لا يستويان عندكم، فكذلك حال الكافر والمؤمن لا يستويان عند الله. {أفلا تذكرون} [هود: 24] يقول جل ثناؤه: أفلا تعتبرون أيها الناس، وتتفكرون، فتعلموا حقيقة اختلاف أمريهما، فتنزجروا عما أنتم عليه من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان؟ فالأعمى والأصم والبصير والسميع في اللفظ أربعة، وفي المعنى اثنان، ولذلك قيل: {هل يستويان مثلا} [هود: 24] وقيل: كالأعمى والأصم، والمعنى: كالأعمى الأصم، وكذلك قيل، والبصير والسميع، والمعنى: البصير السميع، كقول القائل: قام الظريف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
وجملة هم فيها خالدون في موقع البيان لجملة أصحاب الجنة لأن الخلود في المكان هو أحق الأحوال بإطلاق وصف الصاحب على الحال بذلك المكان إذ الأمكنة لا تقصد إلا لأجل الحلول فيها فتكون الجملة مستأنفة لبيان ما قبلها فمنزلتها منزلة عطف البيان، ولا تعرب في موضع خبر ثان عن اسم الإشارة. وقد تقدم نظيرها في سورة البقرة [82] في قوله: والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. فعد إليه وزد إليه ما هنا. [24] مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) بعد أن تبين الاختلاف بين حال المشركين المفترين على الله كذبا وبين حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات في منازل الآخرة أعقب ببيان التنظير بين حالي الفريقين المشركين والمؤمنين بطريقة تمثيل ما تستحقه من ذم ومدح. فالجملة فذلكة للكلام وتحصيل له وللتحذير من مواقعة سببه. والمثل، بالتحريك: الحالة والصفة كما في قوله تعالى: مثل الجنة التي وعد المتقون الآية من سورة الرعد [35] ، أي حالة الفريقين المشركين والمؤمنين تشبه حال الأعمى الأصم من جهة وحال البصير السميع من الجهة الأخرى، فالكلام تشبيه وليس استعارة لوجود كاف التشبيه وهو أيضا تشبيه مفرد لا مركب. والفريقان هما المعهودان في الذكر في هذا الكلام، وهما فريق المشركين وفريق المؤمنين، إذ قد سبق ما يؤذن بهذين الفريقين من قوله: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا [هود: 18] . ثم قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم [هود: 23] الآية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٤٠) ↗