سورة هود · الآية ٢٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه لا أحد { أظلم ممن افترى على الله كذبا } ويدخل في هذا كل من كذب على الله، بنسبة الشريك له، أو وصفه بما لا يليق بجلاله، أو الإخبار عنه، بما لم يقل، أو ادعاء النبوة، أو غير ذلك من الكذب على الله، فهؤلاء أعظم الناس ظلما { أولئك يعرضون على ربهم } ليجازيهم بظلمهم، فعندما يحكم عليهم بالعقاب الشديد { يقول الأشهاد } أي: الذين شهدوا عليهم بافترائهم وكذبهم: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } أي: لعنة لا تنقطع، لأن ظلمهم صار وصفا لهم ملازما، لا يقبل التخفيف. ثم وصف ظلمهم فقال: { الذين يصدون عن سبيل الله } فصدوا بأنفسهم عن سبيل الله، وهي سبيل الرسل التي دعوا الناس إليها، وصدوا غيرهم عنها، فصاروا أئمة يدعون إلى النار. { ويبغونها } أي: سبيل الله { عوجا } أي: يجتهدون في ميلها، وتشيينها، وتهجينها، لتصير عند الناس غير مستقيمة، فيحسنون الباطل ويقبحون الحق، قبحهم الله { وهم بالآخرة هم كافرون }. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ليسوا فائتين الله، لأنهم تحت قبضته وفي سلطانه. { وما كان لهم من دون الله من أوليآء } فيدفعون عنهم المكروه، أو يحصلون لهم ما ينفعهم، بل تقطعت بهم الأسباب. { يضاعف لهم العذاب } أي: يغلظ ويزداد، لأنهم ضلوا بأنفسهم وأضلوا غيرهم. { ما كانوا يستطيعون السمع } أي: من بغضهم للحق ونفورهم عنه، ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا آيات الله سماعا ينتفعون به فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة [المدثر: 49-51] { وما كانوا يبصرون } أي ينظرون نظر عبرة وتفكر، فيما ينفعهم، وإنما هم كالصم البكم الذين لا يعقلون. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حيث فوتوها أعظم الثواب، واستحقوا أشد العذاب، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: اضمحل دينهم الذي يدعون إليه ويحسنونه، ولم تغن عنهم آلهتهم التي يعبدون من دون الله لما جاء أمر ربك. { لا جرم } أي: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ألا لعنة الله على الظالمين} أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، من حديث قتادة به (1) . وقوله: {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق (2) الهدى الموصلة إلى الله عز وجل ويجنبونهم (3) الجنة، {ويبغونها عوجا} أي: ويريدون أن يكون طريقهم (4) عوجا غير معتدلة، {وهم بالآخرة هم كافرون} أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها. {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء} أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة، ولكن {يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ، وفي الصحيحين: "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته"؛ (5) ولهذا قال تعالى: {يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك لأن الله تعالى جعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم [من شيء] (6) ، بل كانوا صما عن سماع الحق، عميا عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] ، وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] ؛ ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه، وعلى كل نهي ارتكبوه؛ ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة. وقوله: {أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: خسروا أنفسهم لأنهم دخلوا (7) نارا حامية، فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين، كما قال تعالى: {كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء: 97] . و {ضل عنهم} أي: ذهب عنهم {ما كانوا يفترون} من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئا، بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: {وإذا حشر الناس كانوا لهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أن معنى قولهم، جرمت: كسبت الذنب، وأجرمته، أن العرب كثر استعمالها إياه في مواضع الأيمان، وفي مواضع «لا بد» كقولهم: لا جرم أنك ذاهب، بمعنى: لا بد، حتى استعملوا ذلك في مواضع التحقيق فقالوا: لا جرم ليقومن، بمعنى: حقا ليقومن، فمعنى الكلام: لا منع عن أنهم، ولا صد عن أنهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٧٣) ↗التحرير والتنوير
أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22) استئناف، واسم الإشارة هنا تأكيد ثان لاسم الإشارة في قوله: أولئك يعرضون على ربهم [هود: 18] . والموصول في الذين خسروا أنفسهم مراد به الجنس المعروف بهذه الصلة، أي أن بلغكم أن قوما خسروا أنفسهم فهم المفترون على الله كذبا، وخسارة أنفسهم عدم الانتفاع بها في الاهتداء، فلما ضلوا فقد خسروها. وتقدم الكلام على خسروا أنفسهم عند قوله تعالى: الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون في سورة الأنعام [12] . والضلال: خطأ الطريق المقصود. وما كانوا يفترون ما كانوا يزعمونه من أن الأصنام تشفع لهم وتدفع عنهم الضر عند الشدائد، قال تعالى: فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون [الأحقاف: 28] . وفي إسناد الضلال إلى الأصنام تهكم على أصحابها. شبهت أصنامهم بمن سلك طريقا ليلحق بمن استنجد به فضل في طريقه. وجملة لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون مستأنفة فذلكة ونتيجة للجمل المتقدمة من قوله: أولئك يعرضون على ربهم [هود: 18] لأن ما جمع لهم من الزج للعقوبة ومن افتضاح أمرهم ومن إعراضهم عن استماع النذر وعن النظر في دلائل الوحدانية يوجب اليقين بأنهم الأخسرون في الآخرة. و (لا جرم) كلمة جزم ويقين جرت مجرى المثل، وأحسب أن (جرم) مشتق مما تنوسي، وقد اختلف أئمة العربية في تركيبها، وأظهر أقوالهم أن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٣٨) ↗