البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة هود · الآية ٢٠

﴿أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ۘ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى أنه لا أحد { أظلم ممن افترى على الله كذبا } ويدخل في هذا كل من كذب على الله، بنسبة الشريك له، أو وصفه بما لا يليق بجلاله، أو الإخبار عنه، بما لم يقل، أو ادعاء النبوة، أو غير ذلك من الكذب على الله، فهؤلاء أعظم الناس ظلما { أولئك يعرضون على ربهم } ليجازيهم بظلمهم، فعندما يحكم عليهم بالعقاب الشديد { يقول الأشهاد } أي: الذين شهدوا عليهم بافترائهم وكذبهم: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } أي: لعنة لا تنقطع، لأن ظلمهم صار وصفا لهم ملازما، لا يقبل التخفيف. ثم وصف ظلمهم فقال: { الذين يصدون عن سبيل الله } فصدوا بأنفسهم عن سبيل الله، وهي سبيل الرسل التي دعوا الناس إليها، وصدوا غيرهم عنها، فصاروا أئمة يدعون إلى النار. { ويبغونها } أي: سبيل الله { عوجا } أي: يجتهدون في ميلها، وتشيينها، وتهجينها، لتصير عند الناس غير مستقيمة، فيحسنون الباطل ويقبحون الحق، قبحهم الله { وهم بالآخرة هم كافرون }. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ليسوا فائتين الله، لأنهم تحت قبضته وفي سلطانه. { وما كان لهم من دون الله من أوليآء } فيدفعون عنهم المكروه، أو يحصلون لهم ما ينفعهم، بل تقطعت بهم الأسباب. { يضاعف لهم العذاب } أي: يغلظ ويزداد، لأنهم ضلوا بأنفسهم وأضلوا غيرهم. { ما كانوا يستطيعون السمع } أي: من بغضهم للحق ونفورهم عنه، ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا آيات الله سماعا ينتفعون به فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة [المدثر: 49-51] { وما كانوا يبصرون } أي ينظرون نظر عبرة وتفكر، فيما ينفعهم، وإنما هم كالصم البكم الذين لا يعقلون. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حيث فوتوها أعظم الثواب، واستحقوا أشد العذاب، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: اضمحل دينهم الذي يدعون إليه ويحسنونه، ولم تغن عنهم آلهتهم التي يعبدون من دون الله لما جاء أمر ربك. { لا جرم } أي: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ألا لعنة الله على الظالمين} أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، من حديث قتادة به (1) . وقوله: {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق (2) الهدى الموصلة إلى الله عز وجل ويجنبونهم (3) الجنة، {ويبغونها عوجا} أي: ويريدون أن يكون طريقهم (4) عوجا غير معتدلة، {وهم بالآخرة هم كافرون} أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها. {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء} أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة، ولكن {يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ، وفي الصحيحين: "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته"؛ (5) ولهذا قال تعالى: {يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك لأن الله تعالى جعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم [من شيء] (6) ، بل كانوا صما عن سماع الحق، عميا عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] ، وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] ؛ ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه، وعلى كل نهي ارتكبوه؛ ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة. وقوله: {أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: خسروا أنفسهم لأنهم دخلوا (7) نارا حامية، فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين، كما قال تعالى: {كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء: 97] . و {ضل عنهم} أي: ذهب عنهم {ما كانوا يفترون} من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئا، بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: {وإذا حشر الناس كانوا لهم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٦٩) ↗

التحرير والتنوير

لهم، ومما يؤيد أنه من قول الأشهاد وقوع نظيره في سورة الأعراف [44] مصرحا فيه بذلك فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الآية. وقوله: الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون تقدم نظيره في سورة الأعراف [45] . وضمير المؤنث في قوله: (يبغونها) عائد إلى سبيل الله لأن السبيل يجوز اعتباره مؤنثا. والمعنى: أنهم يبغون أن تصير سبيل الله عوجاء، فعلم أن سبيل الله مستقيمة وأنهم يحاولون أن يصيروها عوجاء لأنهم يريدون أن يتبع النبيء صلى الله عليه وسلم دينهم ويغضبون من مخالفته إياه. وهنا انتهى كلام الأشهاد لأن نظيره الذي في سورة الأعراف [44] في قوله: فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الآية انتهى بما يماثل آخر هذه الآية. واختصت هذه الآية على نظيرها في الأعراف بزيادة (هم) في قوله: هم كافرون وهو توكيد يفيد تقوي الحكم لأن المقام هنا مقام تسجيل إنكارهم البعث وتقريره إشعارا بما يترقبهم من العقاب المناسب فحكي به من كلام الأشهاد ما يناسب هذا، وما في سورة الأعراف حكاية لما قيل في شأن قوم أدخلوا النار وظهر عقابهم فلا غرض لحكاية ما فيه تأكيد من كلام الأشهاد، وكلا المقالتين واقع وإنما يحكي البليغ فيما يحكيه ما له مناسبة لمقام الحكاية. [20] أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض. استئناف بياني ناشئ عن الاقتصار في تهديدهم على وصف بعض عقابهم في الآخرة فإن ذلك يثير في نفس السامع أن يسأل: هل هم سالمون من عذاب الدنيا. فأجيب بأنهم لم يكونوا معجزين في الدنيا، أي لا يخرجون عن مقدرة الله على تعذيبهم في الدنيا إذا اقتضت حكمته تعجيل عذابهم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٣٤) ↗