سورة هود · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه لا أحد { أظلم ممن افترى على الله كذبا } ويدخل في هذا كل من كذب على الله، بنسبة الشريك له، أو وصفه بما لا يليق بجلاله، أو الإخبار عنه، بما لم يقل، أو ادعاء النبوة، أو غير ذلك من الكذب على الله، فهؤلاء أعظم الناس ظلما { أولئك يعرضون على ربهم } ليجازيهم بظلمهم، فعندما يحكم عليهم بالعقاب الشديد { يقول الأشهاد } أي: الذين شهدوا عليهم بافترائهم وكذبهم: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } أي: لعنة لا تنقطع، لأن ظلمهم صار وصفا لهم ملازما، لا يقبل التخفيف. ثم وصف ظلمهم فقال: { الذين يصدون عن سبيل الله } فصدوا بأنفسهم عن سبيل الله، وهي سبيل الرسل التي دعوا الناس إليها، وصدوا غيرهم عنها، فصاروا أئمة يدعون إلى النار. { ويبغونها } أي: سبيل الله { عوجا } أي: يجتهدون في ميلها، وتشيينها، وتهجينها، لتصير عند الناس غير مستقيمة، فيحسنون الباطل ويقبحون الحق، قبحهم الله { وهم بالآخرة هم كافرون }. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ليسوا فائتين الله، لأنهم تحت قبضته وفي سلطانه. { وما كان لهم من دون الله من أوليآء } فيدفعون عنهم المكروه، أو يحصلون لهم ما ينفعهم، بل تقطعت بهم الأسباب. { يضاعف لهم العذاب } أي: يغلظ ويزداد، لأنهم ضلوا بأنفسهم وأضلوا غيرهم. { ما كانوا يستطيعون السمع } أي: من بغضهم للحق ونفورهم عنه، ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا آيات الله سماعا ينتفعون به فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة [المدثر: 49-51] { وما كانوا يبصرون } أي ينظرون نظر عبرة وتفكر، فيما ينفعهم، وإنما هم كالصم البكم الذين لا يعقلون. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حيث فوتوها أعظم الثواب، واستحقوا أشد العذاب، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: اضمحل دينهم الذي يدعون إليه ويحسنونه، ولم تغن عنهم آلهتهم التي يعبدون من دون الله لما جاء أمر ربك. { لا جرم } أي: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أخرى قل لا أشهد} كما قال تعالى: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: 150] ، {قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} ثم قال مخبرا عن أهل الكتاب: إنهم يعرفون هذا الذي جئتهم (4) به كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد (5) صلى الله عليه وسلم وببعثه (6) وصفته، وبلده ومهاجره، وصفة أمته؛ ولهذا قال بعد هذا: {الذين خسروا أنفسهم} أي: خسروا كل الخسارة، {فهم لا يؤمنون} بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه. ثم قال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} أي: لا أظلم ممن تقول (7) على الله، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته، {إنه لا يفلح الظالمون} أي: لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٤٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
له شريكا من خلقه وإلها يعبد من دونه كما قاله المشركون من عبدة الأوثان، أو ادعى له ولدا أو صاحبة كما قالته النصارى {أو كذب بآياته} [الأنعام: 21] يقول: أو كذب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم كذبت بها اليهود. {إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 21] يقول: إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل، ولا يدركون البقاء في الجنان، والمفترون عليه الكذب والجاحدون بنبوة أنبيائه.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٨٨) ↗التحرير والتنوير
ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) لما انقضى الكلام من إبطال زعمهم أن النبيء- صلى الله عليه وسلم- افترى القرآن ونسبه إلى الله، وتعجيزهم عن برهان لما زعموه، كر عليهم أن قد وضح أنهم المفترون على الله عدة أكاذيب، منها نفيهم أن يكون القرآن منزلا من عنده. فعطفت جملة ومن أظلم ممن افترى على جملة ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده [هود: 17] لبيان استحقاقهم النار على كفرهم بالقرآن لأنهم كفروا به افتراء على الله إذ نسبوا القرآن إلى غير من أنزله، وزعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم افتراه، فكانوا بالغين غاية الظلم حتى لقد يسأل عن وجود فريق أظلم منهم سؤال إنكار يؤول إلى معنى النفي، أي لا أحد أظلم. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ومن أظلم ممن منع مساجد الله في سورة البقرة [114] ، وفي سورة الأعراف [37] في قوله: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته. وافتراؤهم على الله هو ما وضعوه من دين الشرك، كقولهم: إن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وقولهم في كثير من أمور دينهم والله أمرنا بها [الأعراف: 28] . وقال تعالى: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب [المائدة: 103] أي إذ يقولون: أمرنا الله بذلك. وجملة أولئك يعرضون على ربهم استئناف. وتصديرها باسم الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٣٢) ↗