سورة هود · الآية ١١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته أن لا يزالون مختلفين مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كل يرى الحق فيما قاله، والضلال في قول غيره. { إلا من رحم ربك } فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي. وأما من عداهم فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم. وقوله: { ولذلك خلقهم } أي: اقتضت حكمته أنه خلقهم، ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذين هدى الله، والفريق الذين حقت عليهم الضلالة، ليتبين للعباد عدله وحكمته، وليظهر ما كمن في الطباع البشرية من الخير والشر، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء. { و } لأنه { تمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } فلا بد أن ييسر للنار أهلا، يعملون بأعمالها الموصلة إليها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: هود ١١٨–١١٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إحدى (1) وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي (2) على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة". قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة (3) وقال عطاء: {ولا يزالون مختلفين} يعني: اليهود والنصارى والمجوس {إلا من رحم ربك} يعني: الحنيفية. وقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم. وقوله: {ولذلك خلقهم} قال الحسن البصري -في رواية عنه -: وللاختلاف خلقهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: خلقهم فريقين، كقوله: {فمنهم شقي وسعيد} [هود:105] . وقيل: للرحمة خلقهم. قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس؛ أن رجلين اختصما إليه فأكثرا (4) فقال طاوس: اختلفتما فأكثرتما (5) ! فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا. فقال طاوس: كذبت. فقال: أليس الله يقول: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال: لم يخلقهم ليختلفوا، ولكن خلقهم للجماعة والرحمة. كما قال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب. وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة. ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56] . وقيل: بل المراد: وللرحمة والاختلاف خلقهم، كما قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال: الناس مختلفون على أديان شتى، {إلا من رحم ربك} فمن رحم ربك غير مختلف. قيل له: فلذلك خلقهم؟ [قال] (6) خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه. وكذا (7) قال عطاء بن أبي رباح، والأعمش. وقال ابن وهب: سألت مالكا عن قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال: فريق في الجنة وفريق في السعير.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٦٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٦٣٢) ↗التحرير والتنوير
والمصلحون مقابل المفسدين في قوله قبله: ينهون عن الفساد في الأرض- وقوله- وكانوا مجرمين [هود: 116] ، فالله تعالى لا يهلك قوما ظالما لهم ولكن يهلك قوما ظالمين أنفسهم. قال تعالى: وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون [القصص: 59] . والمراد: الإهلاك العاجل الحال بهم في غير وقت حلول أمثاله دون الإهلاك المكتوب على جميع الأمم وهو فناء أمة وقيام أخرى في مدد معلومة حسب سنن معلومة. [118، 119] ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) لما كان النعي على الأمم الذين لم يقع فيهم من ينهون عن الفساد فاتبعوا الإجرام، وكان الإخبار عن إهلاكهم بأنه ليس ظلما من الله وأنهم لو كانوا مصلحين لما أهلكوا، لما كان ذلك كله قد يثير توهم أن تعاصي الأمم عما أراد الله منهم خروج عن قبضة القدرة الإلهية أعقب ذلك بما يرفع هذا التوهم بأن الله قادر أن يجعلهم أمة واحدة متفقة على الحق مستمرة عليه كما أمرهم أن يكونوا. ولكن الحكمة التي أقيم عليها نظام هذا العالم اقتضت أن يكون نظام عقول البشر قابلا للتطوح بهم في مسلك الضلالة أو في مسلك الهدى على مبلغ استقامة التفكير والنظر، والسلامة من حجب الضلالة، وأن الله تعالى لما خلق العقول صالحة لذلك جعل منها قبول الحق بحسب الفطرة التي هي سلامة العقول من عوارض الجهالة والضلال وهي الفطرة الكاملة المشار إليها بقوله تعالى: كان الناس أمة واحدة،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٨٧) ↗