سورة هود · الآية ١٠٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين } إلى آخر القصة يقول تعالى: { ولقد أرسلنا موسى } بن عمران { بآياتنا } الدالة على صدق ما جاء به، كالعصا واليد ونحوهما من الآيات التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام. { وسلطان مبين } أي: حجة ظاهرة بينة، ظهرت ظهور الشمس. { إلى فرعون وملئه } أي: أشراف قومه لأنهم المتبوعون وغيرهم تبع لهم، فلم ينقادوا لما مع موسى من الآيات التي أراهم إياها كما تقدم بسطها في سورة الأعراف، ولكنهم { فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد } بل هو ضال غاو، لا يأمر إلا بما هو ضرر محض، لا جرم - لما اتبعه قومه - أرداهم وأهلكهم. { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه } أي: في الدنيا { لعنة ويوم القيامة } أي: يلعنهم الله وملائكته والناس أجمعون في الدنيا والآخرة. { بئس الرفد المرفود } أي: بئس ما اجتمع لهم، وترادف عليهم من عذاب الله، ولعنة الدنيا والآخرة. ولما ذكر قصص هؤلاء الأمم مع رسلهم، قال الله تعالى لرسوله: { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك } لتنذر به، ويكون آية على رسالتك، وموعظة وذكرى للمؤمنين. { منها قآئم } لم يتلف، بل بقي من آثار ديارهم ما يدل عليهم، { و } منها { حصيد } قد تهدمت مساكنهم، واضمحلت منازلهم، فلم يبق لها أثر، { وما ظلمناهم } بأخذهم بأنواع العقوبات { ولكن ظلموا أنفسهم } بالشرك والكفر والعناد. { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جآء أمر ربك } وهكذا كل من التجأ إلى غير الله، لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد. { وما زادوهم غير تتبيب } أي: خسار ودمار، بالضد مما خطر ببالهم. { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ، أي: يقصمهم بالعذاب ويبيدهم، ولا ينفعهم ما كانوا يدعون من دون الله من شيء. { إن في ذلك } المذكور من أخذه للظالمين، بأنواع العقوبات، { لآية لمن خاف عذاب الآخرة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله. كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة (1) ، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها. وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة. وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود (2) ، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد، من الصحابة. وعن أبي مجلز، والشعبي، وغيرهما من التابعين. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة -أقوال غريبة. وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير، عن أبي أمامة صدى بن عجلان الباهلي، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه. وقال السدي: هي منسوخة بقوله: {خالدين فيها أبدا} [النساء:57] . يقول تعالى: {وأما الذين سعدوا} وهم أتباع الرسل، {ففي الجنة} أي: فمأواهم الجنة، {خالدين فيها} أي: ماكثين مقيمين فيها أبدا، {ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} معنى الاستثناء هاهنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم، ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم [دائما] (3) ، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس. وقال الضحاك، والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار، ثم أخرجوا منها. وعقب ذلك بقوله: {عطاء غير مجذوذ} أي: غير مقطوع (4) -قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية وغير واحد، لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعا، أو لبسا، أو شيئا (5) بل ختم له بالدوام وعدم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
… فقال: {عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] " واختلف أهل العربية في وجه الاستثناء في هذا الموضع، فقال بعضهم في ذلك معنيان: أحدهما أن تجعله استثناء يستثنيه ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزمك على ضربه، قال: فكذلك قال: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} ولا يشاؤه. قال: والقول الآخر: أن العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله، ومع ما هو أكثر منه كان معنى إلا ومعنى الواو «سوى» فمن ذلك قوله: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} سوى ما شاء الله من زيادة الخلود، فيجعل «إلا» مكان «سوى» فيصلح، وكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٥٨٦) ↗التحرير والتنوير
يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) جملة يوم يأت لا تكلم نفس تفصيل لمدلول جملة ذلك يوم مجموع له الناس [هود: 103] الآية، وبينت عظمة ذلك اليوم في الشر والخير تبعا لذلك التفصيل. فالقصد الأول من هذه الجملة هو قوله: فمنهم شقي وسعيد وما بعده، وأما ما قبله فتمهيد له أفصح عن عظمة ذلك اليوم. وقد جاء نظم الكلام على تقديم وتأخير اقتضاه وضع الاستطراد بتعظيم هول اليوم في موضع الكلام المتصل لأنه أسعد بتناسب أغراض الكلام، والظروف صالحة لاتصال الكلام كصلاحية الحروف العاطفة وأدوات الشرط. ويوم من قوله: يوم يأت مستعمل في معنى (حين) أو (ساعة) ، وهو استعمال شائع في الكلام العربي في لفظ (يوم) و (ليلة) توسعا بإطلاقهما على جزء من زمانهما إذ لا يخلو الزمان من أن يقع في نهار أو في ليل فذلك يوم أو ليلة فإذا أطلقها هذا الإطلاق لم يستفد منهما إلا معنى (حين) دون تقدير بمدة ولا بنهار ولا ليل، ألا ترى قول النابغة: تخيرن من أنهار يوم حليمة فأضاف (أنهار) جمع نهار إلى اليوم. وروي: من أزمان يوم حليمة. وقول توبة بن الحمير: كأن القلب ليلة قيل: يغدى ... بليلى الأخيلية أو يراح
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٦٣) ↗