سورة هود · الآية ١٠٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين } إلى آخر القصة يقول تعالى: { ولقد أرسلنا موسى } بن عمران { بآياتنا } الدالة على صدق ما جاء به، كالعصا واليد ونحوهما من الآيات التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام. { وسلطان مبين } أي: حجة ظاهرة بينة، ظهرت ظهور الشمس. { إلى فرعون وملئه } أي: أشراف قومه لأنهم المتبوعون وغيرهم تبع لهم، فلم ينقادوا لما مع موسى من الآيات التي أراهم إياها كما تقدم بسطها في سورة الأعراف، ولكنهم { فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد } بل هو ضال غاو، لا يأمر إلا بما هو ضرر محض، لا جرم - لما اتبعه قومه - أرداهم وأهلكهم. { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه } أي: في الدنيا { لعنة ويوم القيامة } أي: يلعنهم الله وملائكته والناس أجمعون في الدنيا والآخرة. { بئس الرفد المرفود } أي: بئس ما اجتمع لهم، وترادف عليهم من عذاب الله، ولعنة الدنيا والآخرة. ولما ذكر قصص هؤلاء الأمم مع رسلهم، قال الله تعالى لرسوله: { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك } لتنذر به، ويكون آية على رسالتك، وموعظة وذكرى للمؤمنين. { منها قآئم } لم يتلف، بل بقي من آثار ديارهم ما يدل عليهم، { و } منها { حصيد } قد تهدمت مساكنهم، واضمحلت منازلهم، فلم يبق لها أثر، { وما ظلمناهم } بأخذهم بأنواع العقوبات { ولكن ظلموا أنفسهم } بالشرك والكفر والعناد. { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جآء أمر ربك } وهكذا كل من التجأ إلى غير الله، لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد. { وما زادوهم غير تتبيب } أي: خسار ودمار، بالضد مما خطر ببالهم. { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ، أي: يقصمهم بالعذاب ويبيدهم، ولا ينفعهم ما كانوا يدعون من دون الله من شيء. { إن في ذلك } المذكور من أخذه للظالمين، بأنواع العقوبات، { لآية لمن خاف عذاب الآخرة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… . {وذلك يوم مشهود} أي: يوم عظيم تحضره الملائكة كلهم، ويجتمع فيه الرسل جميعهم، وتحشر فيه الخلائق بأسرهم، من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيهم (2) العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها. وقوله: {وما نؤخره إلا لأجل معدود} أي: ما نؤخر إقامة يوم القيامة إلا لأنه (3) قد سبقت كلمة الله وقضاؤه وقدره، في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا انقضت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم من ذرية آدم، أقام الله الساعة؛ ولهذا قال: {وما نؤخره إلا لأجل معدود} أي: لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها، {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} (4) يقول: يوم يأتي هذا اليوم وهو يوم القيامة، لا يتكلم أحد [يومئذ] (5) إلا بإذن الله تعالى، كما قال تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ:38] ، وقال تعالى: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} [طه:108] ، وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل: "ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم (6) (7) . وقوله: {فمنهم شقي وسعيد} أي: فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد، كما قال: {فريق في الجنة وفريق في السعير} [الشورى:7] . وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن حيان، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا سليمان بن (8) سفيان، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر (9) رضي الله عنه، قال: لما نزلت {فمنهم شقي وسعيد} سألت النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: (10) يا رسول الله، علام نعمل (11) ؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: "على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٥٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} يقول تعالى ذكره: يوم يأتي يوم القيامة أيها الناس، وتقوم الساعة لا تكلم نفس إلا بإذن ربها. واختلفت القراء في قراءة قوله: «يوم يأتي» فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها (يوم يأتي لا تكلم نفس) . وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة، وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف. وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة. بحذف الياء في الوصل والوقف: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} [هود: 105] . والصواب من القراءة في ذلك عندي: {يوم يأت} [هود: 105] بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول: ما أدر ما تقول،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٥٧٥) ↗التحرير والتنوير
ومشهد قد كفيت الناطقين به ... في محفل من نواصي الخيل مشهود فيكون من نحو قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا [النساء: 41، 42] الآية. وجملة وما نؤخره إلا لأجل معدود معترضة بين جملة ذلك يوم مجموع له الناس وبين جملة يوم يأت لا تكلم نفس [هود: 105] إلخ. والمقصود الرد على المنكرين للبعث مستدلين بتأخير وقوعه في حين تكذيبهم به يحسبون أن تكذيبهم به يغيظ الله تعالى فيعجله لهم جهلا منهم بمقام الإلهية، فبين الله لهم أن تأخيره إلى أجل حدده الله له من يوم خلق العالم كما حدد آجال الأحياء، فيكون هذا كقوله تعالى: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون [سبأ: 29، 30] . والأجل: أصله المدة المنظر إليها في أمر، ويطلق أيضا على نهاية تلك المدة، وهو المراد هنا بقرينة اللام، كما أريد في قوله تعالى: فإذا جاء أجلهم [الأعراف: 34] . والمعدود: أصله المحسوب، وأطلق هنا كناية عن المعين المضبوط بحيث لا يتأخر ولا يتقدم لأن المعدود يلزمه التعين، أو كناية عن القرب.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٦٢) ↗