سورة هود · الآية ١٠٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين } إلى آخر القصة يقول تعالى: { ولقد أرسلنا موسى } بن عمران { بآياتنا } الدالة على صدق ما جاء به، كالعصا واليد ونحوهما من الآيات التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام. { وسلطان مبين } أي: حجة ظاهرة بينة، ظهرت ظهور الشمس. { إلى فرعون وملئه } أي: أشراف قومه لأنهم المتبوعون وغيرهم تبع لهم، فلم ينقادوا لما مع موسى من الآيات التي أراهم إياها كما تقدم بسطها في سورة الأعراف، ولكنهم { فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد } بل هو ضال غاو، لا يأمر إلا بما هو ضرر محض، لا جرم - لما اتبعه قومه - أرداهم وأهلكهم. { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه } أي: في الدنيا { لعنة ويوم القيامة } أي: يلعنهم الله وملائكته والناس أجمعون في الدنيا والآخرة. { بئس الرفد المرفود } أي: بئس ما اجتمع لهم، وترادف عليهم من عذاب الله، ولعنة الدنيا والآخرة. ولما ذكر قصص هؤلاء الأمم مع رسلهم، قال الله تعالى لرسوله: { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك } لتنذر به، ويكون آية على رسالتك، وموعظة وذكرى للمؤمنين. { منها قآئم } لم يتلف، بل بقي من آثار ديارهم ما يدل عليهم، { و } منها { حصيد } قد تهدمت مساكنهم، واضمحلت منازلهم، فلم يبق لها أثر، { وما ظلمناهم } بأخذهم بأنواع العقوبات { ولكن ظلموا أنفسهم } بالشرك والكفر والعناد. { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جآء أمر ربك } وهكذا كل من التجأ إلى غير الله، لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد. { وما زادوهم غير تتبيب } أي: خسار ودمار، بالضد مما خطر ببالهم. { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ، أي: يقصمهم بالعذاب ويبيدهم، ولا ينفعهم ما كانوا يدعون من دون الله من شيء. { إن في ذلك } المذكور من أخذه للظالمين، بأنواع العقوبات، { لآية لمن خاف عذاب الآخرة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وحصول نعمه لأوليائه؛ ولهذا عقب ذلك بقوله، وهو أصدق القائلين ورب العالمين: لما قص تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب [عليهم الصلاة والسلام] (1) وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل، صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: {تلك القرى نقص عليك} أي: يا محمد {من أنبائها} أي: من أخبارها، {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} أي: بالحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء:15] وقال تعالى: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} [هود:101، 102] وقوله تعالى: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} الباء سببية، أي: فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم. حكاه ابن عطية، رحمه الله، وهو متجه حسن، كقوله: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٤٥٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد} [هود: 100] يعني بالقائم: قرى عامرة. والحصيد: قرى خامدة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {قائم وحصيد} [هود: 100] قال: قائم على عروشها، وحصيد: مستأصلة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {منها قائم} [هود: 100] يرى PageEndV12P568 مكانه، {وحصيد} [هود: 100] لا يرى له أثر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، " {منها قائم} [هود: 100] قال: خاو على عروشه، {وحصيد} [هود: 100] ملزق بالأرض " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن سفيان، عن الأعمش، " {منها قائم وحصيد} [هود: 100] قال: خر بنيانه " حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش: " {منها قائم وحصيد} [هود: 100] قال: الحصيد: ما قد خر بنيانه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {منها قائم وحصيد} [هود: 100] منها قائم يرى أثره، وحصيد باد لا يرى "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٥٦٨) ↗التحرير والتنوير
ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) استئناف للتنويه بشأن الأنباء التي مر ذكرها. واسم الإشارة إلى المذكور كله من القصص من قصة نوح- عليه السلام- وما بعدها. والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر، وتقدم في سورة الأنعام [34] في قوله: ولقد جاءك من نبإ المرسلين. وجملة نقصه عليك حال من اسم الإشارة. وعبر بالمضارع مع أن القصص مضى لاستحضار حالة هذا القصص البليغ. وجملة منها قائم وحصيد معترضة. حال من القرى. وقائم صفة لموصوف محذوف دل عليه عطف وحصيد، والمعنى: منها زرع قائم وزرع حصيد، وهذا تشبيه بليغ. والقائم: الزرع المستقل على سوقه. والحصيد: الزرع المحصود، فعيل بمعنى مفعول. وكلاهما مشبه به للباقي من القرى والعافي. والمراد بالقائم ما كان من القرى التي قصها الله في القرآن قرى قائما بعضها كآثار بلد فرعون كالأهرام وبلهوبة (وهو المعروف بأبي الهول) وهيكل الكرنك بمصر، ومثل آثار نينوى بلد قوم يونس، وأنطاكية قرية المرسلين الثلاثة، وصنعاء بلد قوم تبع، وقرى بائدة مثل ديار عاد، وقرى قوم لوط، وقرية مدين. وليس المراد القرى المذكورة في هذه السورة خاصة. والمقصود من هذه الجملة الاعتبار.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٥٨) ↗