سورة الكافرون · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قل للكافرين معلنا ومصرحا { لا أعبد ما تعبدون } أي: تبرأ مما كانوا يعبدون من دون الله، ظاهرا وباطنا. { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } لعدم إخلاصكم في عبادته، فعبادتكم له المقترنة بالشرك لا تسمى عبادة، ثم كرر ذلك ليدل الأول على عدم وجود الفعل، والثاني على أن ذلك قد صار وصفا لازما. ولهذا ميز بين الفريقين، وفصل بين الطائفتين، فقال: { لكم دينكم ولي دين } كما قال تعالى: قل كل يعمل على شاكلته [الإسراء: 84] أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون [يونس: 41].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الكافرون ١–٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… فيما بقي من عمري، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} [المائدة: 64] . انتهى ما ذكره. (1) ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد، كقوله: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6] وكقوله: {لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين} [التكاثر: 6، 7] وحكاه بعضهم -كابن الجوزي، وغيره-عن ابن قتيبة، فالله أعلم. فهذه ثلاثة أقوال: أولها ما ذكرناه أولا. الثاني: ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: {لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} في الماضي، {ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد} في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض. وثم قول رابع، نصره أبو العباس بن تيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: {لا أعبد ما تعبدون} نفي الفعل لأنها جملة فعلية، {ولا أنا عابد ما عبدتم} نفي قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل، وكونه قابلا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا. وهو قول حسن أيضا، والله أعلم. وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: {لكم دينكم ولي دين} على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه (2) اليهود من النصارى، وبالعكس؛ إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به؛ لأن الأديان -ما عدا الإسلام-كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتوارث أهل ملتين شتى". (3) آخر تفسير سورة "قل يا أيها الكافرون" ولله الحمد والمنة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٥٠٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله سنة، على أن يعبد نبي الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفة جوابهم في ذلك: {قل} [البقرة: 80] يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة {يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] بالله {لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون: 2] من الآلهة والأوثان الآن {ولا أنتم عابدون ما أعبد} [الكافرون: 3] الآن {ولا أنا عابد} [الكافرون: 4] فيما أستقبل {ما عبدتم} [الكافرون: 4] فيما مضى {ولا أنتم عابدون} [الكافرون: 3] فيما تستقبلون أبدا {ما أعبد} [الكافرون: 3] أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله صلى الله عليه وسلم من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٧٠٢) ↗التحرير والتنوير
… عليه وسلم بذلك فكان قوله هذا من دلائل نبوءته نظير قوله تعالى: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا [البقرة: 24] فإن أولئك النفر الأربعة لم يسلم منهم أحد فماتوا على شركهم. وما صدق ما أعبد هو الله تعالى وعبر ب ما الموصولة لأنها موضوعة للعاقل وغيره من المختار وإنما تختص (من) بالعاقل، فلا مانع من إطلاق (ما) على العاقل إذا كان اللبس مأمونا. وقال السهيلي في «الروض الأنف» : أن (ما) الموصولة يؤتى بها لقصد الإبهام لتفيد المبالغة في التفخيم كقول العرب: سبحان ما سبح الرعد بحمده، وقوله تعالى: والسماء وما بناها كما تقدم في سورة الشمس [5] . [4] 4] ولا أنا عابد ما عبدتم (4) عطف على ولا أنتم عابدون ما أعبد [الكافرون: 3] عطف الجملة على الجملة لمناسبة نفي أو يعبدوا الله فأردف بنفي أن يعبد هو آلهتهم، وعطفه بالواو صارف عن أن يكون المقصود به تأكيد لا أعبد ما تعبدون فجاء به على طريقة: ولا أنتم عابدون ما أعبد بالجملة الاسمية. للدلالة على الثبات، وبكون الخبر اسم فاعل دالا على زمان الحال، فلما نفى عن نفسه أن يعبد في المستقبل ما يعبدونه بقوله: لا أعبد ما تعبدون كما تقدم آنفا، صرح هنا بما تقتضيه دلالة الفحوى على نفي أن يعبد آلهتهم في الحال، بما هو صريح الدلالة على ذلك لأن المقام يقتضي مزيد البيان، فاقتضى الاعتماد على دلالة المنطوق إطنابا في الكلام، لتأييسهم مما راودوه عليه ولمقابلة كلامهم المردود بمثله في إفادة الثبات. وحصل من ذلك تقرير
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥٨٢) ↗