سورة قريش · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
قال كثير من المفسرين: إن الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها أي: فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، والصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب. فأهلك الله من أرادهم بسوء، وعظم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب، حتى احترموهم، ولم يعترضوا لهم في أي سفر أرادوا، ولهذا أمرهم الله بالشكر، فقال: { فليعبدوا رب هذا البيت } أي: ليوحدوه ويخلصوا له العبادة، { الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } فرغد الرزق والأمن من المخاوف، من أكبر النعم الدنيوية، الموجبة لشكر الله تعالى. فلك اللهم الحمد والشكر على نعمك الظاهرة والباطنة، وخص الله بالربوبية البيت، لفضله وشرفه، وإلا فهو رب كل شيء.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: قريش ١–٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن جرير: الصواب أن "اللام" لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان. (1) ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: {فليعبدوا رب هذا البيت} أي: فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما، كما قال تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين} [النمل:91] وقوله: {الذي أطعمهم من جوع} أي: هو رب البيت، وهو " الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص (2) فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا. ولهذا من استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} [النحل:112-113] وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العدني، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل أمكم، قريش، لإيلاف قريش" (3) ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى -يعني ابن يونس-عن عبيد الله ابن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ويحكم يا معشر قريش، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف". هكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أم سلمة الأنصارية، رضي الله عنها (4) فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم. آخر تفسير سورة "لإيلاف قريش".
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٤٩٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قوله {لإيلاف} [قريش: 1] فقرأه بياء بعد همزة واختلف عنه في قوله {إيلافهم} [قريش: 2] فروي عنه أنه كان يقرؤه: (إلفهم) على أنه مصدر من ألف يألف إلفا، بغير ياء، وحكى بعضهم عنه أنه كان يقرؤه (إلافهم) بغير ياء مقصورة الألف. والصواب من القراءة في ذلك عندي: من قرأه: {لإيلاف قريش إيلافهم} [قريش: 1] بإثبات الياء فيهما بعد الهمزة، من آلفت الشيء أولفه إيلافا، لإجماع الحجة من القراء عليه. وللعرب في ذلك لغتان: آلفت، وألفت، فمن قال: آلفت بمد الألف قال: فأنا أؤالف إيلافا ومن قال: ألفت بقصر الألف قال: فأنا آلف إلفا، وهو رجل آلف إلفا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٦٤٦) ↗التحرير والتنوير
يزيل عنهم ترفهم فقد كان أهل مكة في ترف ودعة إذ كانوا سالمين من غارات الأقوام لأنهم أهل الحرم الآمن وكانوا تجبى إليهم ثمرات كل شيء وكانوا مكرمين لدى جميع القبائل، قال الأخطل: فأما الناس ما حاشا قريشا ... فإنا نحن أفضلهم فعالا وكانت أرزاقهم تأتيهم من كل مكان قال تعالى: الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف [قريش: 4] ، فيكون المعنى: حتى إذا أخذناهم وهم في ترفهم، كقوله: وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا [المزمل: 11] . ويجوز أن يكون المراد حلول العذاب بالمترفين خاصة، أي بسادتهم وصناديدهم وهو عذاب السيف يوم بدر فإنه قتل يومئذ كبراء قريش وهم أصحاب القليب. قال شداد ابن الأسود: وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تزين بالسنام وماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام يعني ما ضمنه القليب من رجال كانت سجاياهم الإطعام والطرب واللذات. وضمير إذا هم يجأرون على هذا الوجه عائد إلى غير المترفين لأن المترفين قد هلكوا فالبقية يجأرون من التلهف على ما أصاب قومهم والإشفاق أن يستمر القتل في سائرهم فهم يجأرون كلما صرع واحد من سادتهم ولأن أهل مكة عجبوا من تلك المصيبة ورثوا أمواتهم بالمراثي والنياحات. ثم الظاهر أن المراد من هذا العذاب عذاب يحل بهم في المستقبل بعد نزول هذه الآية التي هي مكية فيتعين أن هذا عذاب مسبوق بعذاب حل بهم قبله كما يقتضيه قوله تعالى بعد ولقد أخذناهم بالعذاب [المؤمنون: 76] الآية. ولذا فالعذاب المذكور هنا عذاب هددوا به، وهو إما عذاب الجوع الثاني الذي أصاب أهل مكة بدعوة النبيء صلى الله عليه وسلم بعد هجرته. ذلك أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي عقب سرية خالد بن الوليد إلى بني كلب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٨٣) ↗