سورة الهمزة · الآية ٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ويل } أي: وعيد، ووبال، وشدة عذاب { لكل همزة لمزة } الذي يهمز الناس بفعله، ويلمزهم بقوله، فالهماز: الذي يعيب الناس، ويطعن عليهم بالإشارة والفعل، واللماز: الذي يعيبهم بقوله. ومن صفة هذا الهماز اللماز، أنه لا هم له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبة في إنفاقه في طرق الخيرات وصلة الأرحام، ونحو ذلك، { يحسب } بجهله { أن ماله أخلده } في الدنيا، فلذلك كان كده وسعيه كله في تنمية ماله، الذي يظن أنه ينمي عمره، ولم يدر أن البخل يقصف الأعمار، ويخرب الديار، وأن البر يزيد في العمر. { كلا لينبذن } أي: ليطرحن { في الحطمة * ومآ أدراك ما الحطمة } تعظيم لها، وتهويل لشأنها. ثم فسرها بقوله: { نار الله الموقدة } التي وقودها الناس والحجارة { التي } من شدتها { تطلع على الأفئدة } أي: تنفذ من الأجسام إلى القلوب. ومع هذه الحرارة البليغة هم محبوسون فيها، قد أيسوا من الخروج منها، ولهذا قال: { إنها عليهم مؤصدة } أي: مغلقة، { في عمد } من خلف الأبواب { ممددة } لئلا يخرجوا منها كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها [السجدة: 20]. [نعوذ بالله من ذلك ونسأله العفو والعافية].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الهمزة ١–٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا بلغت فؤاده حذو حلقه ترجع على جسده. وقوله: {إنها عليهم مؤصدة} أي: مطبقة كما تقدم تفسيره في سورة البلد. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خرزاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {إنها عليهم مؤصدة} قال: "مطبقة". وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن أسيد، عن إسماعيل بن خالد (1) عن أبي صالح، قوله، ولم يرفعه. {في عمد ممددة} قال عطية العوفي: عمد من حديد. وقال السدي: من نار. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: {في عمد ممددة} يعني: الأبواب هي الممدوة (2) . وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممدة. وقال العوفي، عن ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب. وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار. واختاره ابن جرير. وقال أبو صالح: {في عمد ممددة} يعني القيود الطوال. آخر تفسير سورة "ويل لكل همزة لمزة"
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٤٨٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أهل النار وقيحهم {لكل همزة} [الهمزة: 1] يقول: لكل مغتاب للناس، يغتابهم ويغضهم، كما قال زياد الأعجم: [البحر البسيط] تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا %~% وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه ويعني باللمزة: الذي يعيب الناس، ويطعن فيهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٦١٦) ↗التحرير والتنوير
ووصفت نار الله وصفا ثانيا ب التي تطلع على الأفئدة. والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإتيان مبالغة في طلع، أي الإتيان السريع بقوة واستيلاء، فالمعنى: التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر الجسد. وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى: فاطلع فرآه في سواء الجحيم [الصافات: 55] فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالم بما تحتوي عليه الأفئدة من الكفر فتصيب كل فؤاد بما هو كفاؤه من شدة الحرق على حسب مبلغ سوء اعتقاده، وذلك بتقدير من الله بين شدة النار وقابلية المتأثر بها لا يعلمه إلا مقدره. [8، 9] إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) هذه جملة يجوز أن تكون صفة ثالثة ل نار الله [الهمزة: 6] بدون عاطف، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا ابتدائيا وتأكيدها ب (إن) لتهويل الوعيد بما ينفي عنه احتمال المجاز أو المبالغة. وموصدة: اسم مفعول من أوصد الباب، إذا أغلقه غلقا مطبقا. ويقال: آاصد بهمزتين إحداهما أصلية والأخرى همزة التعدية، ويقال: أصد الباب فعلا ثلاثيا، ولا يقال: وصد بالواو بمعنى أغلق. وقرأ الجمهور: موصدة بواو بعد الميم على تخفيف الهمزة، وقرأه أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم المضمومة. ومعنى إيصادها عليهم: ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه كحال المساجين الذين أغلق عليهم باب السجن تمثيل تقريب لشدة العذاب بما هو متعارف في أحوال الناس، وحال عذاب جهنم أشد مما يبلغه تصور العقول المعتاد. وقوله: في عمد ممددة حال: إما من ضمير عليهم أي في حال كونهم في عمد، أي موثوقين في عمد كما يوثق المسجون المغلظ عليه من رجليه في فلقة ذات ثقب يدخل في رجله أو في عنقه كالقرام. وإما حال من ضمير إنها،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥٤١) ↗