البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التكاثر · الآية ٧

﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى موبخا عباده عن اشتغالهم عما خلقوا له من عبادته وحده لا شريك له، ومعرفته، والإنابة إليه، وتقديم محبته على كل شيء: { ألهاكم } عن ذلك المذكور { التكاثر } ولم يذكر المتكاثر به، ليشمل ذلك كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون، من التكاثر في الأموال، والأولاد، والأنصار، والجنود، والخدم، والجاه، وغير ذلك مما يقصد منه مكاثرة كل واحد للآخر، وليس المقصود به الإخلاص لله تعالى. فاستمرت غفلتكم ولهوتكم [وتشاغلكم] { حتى زرتم المقابر } فانكشف لكم حينئذ الغطاء، ولكن بعد ما تعذر عليكم استئنافه. ودل قوله: { حتى زرتم المقابر } أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية، لأن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين. فدل ذلك على البعث والجزاء بالأعمال، في دار باقية غير فانية، ولهذا توعدهم بقوله: { كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما أمامكم علما يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة. ولكن عدم العلم الحقيقي، صيركم إلى ما ترون، { لترون الجحيم } أي: لتردن القيامة، فلترون الجحيم التي أعدها الله للكافرين. { ثم لترونها عين اليقين } أي: رؤية بصرية، كما قال تعالى: ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا [الكهف: 53]. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } الذي تنعمتم به في دار الدنيا، هل قمتم بشكره، وأديتم حق الله فيه، ولم تستعينوا به، على معاصيه، فينعمكم نعيما أعلى منه وأفضل. أم اغتررتم به، ولم تقوموا بشكره؟ بل ربما استعنتم به على معاصي الله، فيعاقبكم على ذلك، قال تعالى: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون الآية [الأحقاف: 20].

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التكاثر ١–٨) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله". وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة، به (1) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل". أخرجاه في الصحيحين (2) . وذكر الحافظ ابن عساكر، في ترجمة الأحنف بن قيس (3) -واسمه الضحاك-أنه رأى في يد رجل درهما فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي. فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر. ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر: أنت للمال إذا أمسكته %~% فإذا أنفقته فالمال لك وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة قال: صالح بن حيان حدثني عن ابن بريدة في قوله: {ألهاكم التكاثر} قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان، وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا (4) بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور. فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلى القبر -ومثل فلان؟ وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل. وقال قتادة: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان (5) ونحن أعد من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. والصحيح أن المراد بقوله: {زرتم المقابر} أي: صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: "لا بأس، طهور إن شاء …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ربكم، وعما ينجيكم من سخطه عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٥٩٨) ↗

التحرير والتنوير

لتبين لكم حال مفظع عظيم، وهي بيان لما في كلا من الزجر. والمضارع في قوله: لو تعلمون مراد به زمن الحال. أي لو علمتم الآن علم اليقين لعلمتم أمرا عظيما. ولفعل الشرط مع لو أحوال كثيرة واعتبارات، فقد يقع بلفظ الماضي وقد يقع بلفظ المضارع وفي كليهما قد يكون استعماله في أصل معناه. وقد يكون منزلا منزلة غير معناه، وهو هنا مستعمل في معناه من الحال بدون تنزيل ولا تأويل. وإضافة علم إلى اليقين إضافة بيانية فإن اليقين علم، أي لو علمتم علما مطابقا للواقع لبان لكم شنيع ما أنتم فيه ولكن علمهم بأحوالهم جهل مركب من أوهام وتخيلات، وفي هذا نداء عليهم بالتقصير في اكتساب العلم الصحيح. وهذا خطاب للمشركين الذين لا يؤمنون بالجزاء وليس خطابا للمسلمين لأن المسلمين يعلمون ذلك علم اليقين. واعلم أن هذا المركب هو علم اليقين نقل في الاصطلاح العلمي فصار لقبا لحالة من مدركات العقل وقد تقدم بيان ذلك عند تفسير قوله تعالى: وإنه لحق اليقين في سورة الحاقة [51] فارجع إليه. [6، 7] لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين (7) استئناف بياني لأن ما سبقه من الزجر والردع المكرر ومن الوعيد المؤكد على إجماله يثير في نفس السامع سؤالا عما يترقب من هذا الزجر والوعيد فكان قوله: لترون الجحيم جوابا عما يجيش في نفس السامع. وليس قوله: لترون الجحيم جواب (لو) على معنى: لو تعلمون علم اليقين لكنتم كمن ترون الجحيم، أي لترونها بقلوبكم، لأن نظم الكلام صيغة قسم بدليل قرنه بنون التوكيد، فليست هذه اللام لام جواب (لو) لأن جواب (لو) ممتنع الوقوع فلا تقترن به نون التوكيد. والإخبار عن رؤيتهم الجحيم كناية عن الوقوع فيها، فإن الوقوع في الشيء يستلزم رؤيته فيكنى بالرؤية عن الحضور كقول جعفر بن علبة الحارثي:

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥٢٢) ↗