سورة التكاثر · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى موبخا عباده عن اشتغالهم عما خلقوا له من عبادته وحده لا شريك له، ومعرفته، والإنابة إليه، وتقديم محبته على كل شيء: { ألهاكم } عن ذلك المذكور { التكاثر } ولم يذكر المتكاثر به، ليشمل ذلك كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون، من التكاثر في الأموال، والأولاد، والأنصار، والجنود، والخدم، والجاه، وغير ذلك مما يقصد منه مكاثرة كل واحد للآخر، وليس المقصود به الإخلاص لله تعالى. فاستمرت غفلتكم ولهوتكم [وتشاغلكم] { حتى زرتم المقابر } فانكشف لكم حينئذ الغطاء، ولكن بعد ما تعذر عليكم استئنافه. ودل قوله: { حتى زرتم المقابر } أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية، لأن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين. فدل ذلك على البعث والجزاء بالأعمال، في دار باقية غير فانية، ولهذا توعدهم بقوله: { كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما أمامكم علما يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة. ولكن عدم العلم الحقيقي، صيركم إلى ما ترون، { لترون الجحيم } أي: لتردن القيامة، فلترون الجحيم التي أعدها الله للكافرين. { ثم لترونها عين اليقين } أي: رؤية بصرية، كما قال تعالى: ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا [الكهف: 53]. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } الذي تنعمتم به في دار الدنيا، هل قمتم بشكره، وأديتم حق الله فيه، ولم تستعينوا به، على معاصيه، فينعمكم نعيما أعلى منه وأفضل. أم اغتررتم به، ولم تقوموا بشكره؟ بل ربما استعنتم به على معاصي الله، فيعاقبكم على ذلك، قال تعالى: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون الآية [الأحقاف: 20].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التكاثر ١–٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله". وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة، به (1) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل". أخرجاه في الصحيحين (2) . وذكر الحافظ ابن عساكر، في ترجمة الأحنف بن قيس (3) -واسمه الضحاك-أنه رأى في يد رجل درهما فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي. فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر. ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر: أنت للمال إذا أمسكته %~% فإذا أنفقته فالمال لك وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة قال: صالح بن حيان حدثني عن ابن بريدة في قوله: {ألهاكم التكاثر} قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان، وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا (4) بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور. فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلى القبر -ومثل فلان؟ وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل. وقال قتادة: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان (5) ونحن أعد من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. والصحيح أن المراد بقوله: {زرتم المقابر} أي: صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: "لا بأس، طهور إن شاء …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربكم، وعما ينجيكم من سخطه عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٥٩٨) ↗التحرير والتنوير
والمقابر: جمع مقبرة بفتح الموحدة وبضمها. والمقبرة الأرض التي فيها قبور كثيرة. والتوبيخ الذي استعمل فيه الخبر أتبع بالوعيد على ذلك بعد الموت، وبحرف الزجر والإبطال بقوله: كلا سوف تعلمون فأفاد كلا زجرا وإبطالا لإنهاء التكاثر. وسوف لتحقيق حصول العلم. وحدف مفعول تعلمون لظهور أن المراد: تعلمون سوء مغبة لهوكم بالتكاثر عن قبول دعوة الإسلام. وأكد الزجر والوعيد بقوله: ثم كلا سوف تعلمون فعطف عطفا لفظيا بحرف التراخي أيضا للإشارة إلى تراخي رتبة هذا الزجر والوعيد عن رتبة الزجر والوعيد الذي قبله، فهذا زجر ووعيد مماثل للأول لكن عطفه بحرف ثم اقتضى كونه أقوى من الأول لأنه أفاد تحقيق الأول وتهويله. فجملة: ثم كلا سوف تعلمون توكيد لفظي لجملة: كلا سوف تعلمون وعن ابن عباس: كلا سوف تعلمون ما ينزل بكم من عذاب في القبر: ثم كلا سوف تعلمون عند البعث أن ما وعدتم به صدق، أي تجعل كل جملة مرادا بها تهديد بشيء خاص. وهذا من مستتبعات التراكيب والتعويل على معونة القرائن بتقدير مفعول خاص لكل من فعلي تعلمون، وليس تكرير الجملة بمقتض ذلك في أصل الكلام. ومفاد التكرير حاصل على كل حال. [5] كلا لو تعلمون علم اليقين (5) أعيد الزجر ثالث مرة زيادة في إبطال ما هم عليه من اللهو عن التدبر في أقوال القرآن لعلهم يقلعون عن انكبابهم على التكاثر مما هم يتكاثرون فيه ولهوهم به عن النظر في دعوة الحق والتوحيد. وحذف مفعول تعلمون للوجه الذي تقدم في كلا سوف تعلمون وجواب لو محذوف. وجملة: لو تعلمون علم اليقين تهويل وإزعاج لأن حذف جواب لو يجعل النفوس تذهب في تقديره كل مذهب ممكن. والمعنى: لو تعلمون علم اليقين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥٢١) ↗