سورة يونس · الآية ٩٣
﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق } أي: أنزلهم الله وأسكنهم في مساكن آل فرعون، وأورثهم أرضهم وديارهم. { ورزقناهم من الطيبات } من المطاعم والمشارب وغيرهما { فما اختلفوا } في الحق { حتى جآءهم العلم } الموجب لاجتماعهم وائتلافهم، ولكن بغى بعضهم على بعض، وصار لكثير منهم أهوية وأغراض تخالف الحق، فحصل بينهم من الاختلاف شيء كثير. { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } بحكمة العدل الناشئ عن علمه التام، وقدرته الشاملة، وهذا هو الداء الذي يعرض لأهل الدين الصحيح. وهو: أن الشيطان إذا أعجزوه أن يطيعوه في ترك الدين بالكلية، سعى في التحريش بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء، فحصل من الاختلاف ما هو موجب ذلك، ثم حصل من تضليل بعضهم لبعض، وعداوة بعضهم لبعض، ما هو قرة عين اللعين. وإلا فإذا كان ربهم واحدا، ورسولهم واحدا، ودينهم واحدا، ومصالحهم العامة متفقة، فلأي شيء يختلفون اختلافا يفرق شملهم، ويشتت أمرهم، ويحل رابطتهم ونظامهم، فيفوت من مصالحهم الدينية والدنيوية ما يفوت، ويموت من دينهم بسبب ذلك ما يموت؟. فنسألك اللهم لطفا بعبادك المؤمنين، يجمع شملهم ويرأب صدعهم، ويرد قاصيهم على دانيهم، يا ذا الجلال والإكرام.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ٩٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
استمروا مع موسى، عليه السلام، طالبين إلى بلاد بيت المقدس [وهي بلاد الخليل عليه السلام فاستمر موسى بمن معه طالبا بيت المقدس] (1) وكان فيه قوم من العمالقة، [فنكل بنو إسرائيل عن قتال العمالقة] (2) فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه (3) هارون، ثم، موسى، عليهما السلام، وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون، ففتح الله عليهم بيت المقدس، واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر، ثم عادت إليهم، ثم أخذها ملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم (4) مدة طويلة، وبعث الله عيسى ابن مريم، عليه السلام، في تلك المدة، فاستعانت اليهود -قبحهم (5) الله -على معاداة عيسى، عليه السلام، بملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم، ووشوا عندهم، وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا فبعثوا (6) من يقبض عليه، فرفعه الله إليه، وشبه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره (7) فأخذوه فصلبوه، واعتقدوا أنه هو، {وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 157، 158] ثم بعد المسيح، عليه السلام بنحو [من] (8) ثلثمائة سنة، دخل قسطنطين أحد ملوك اليونان -في دين النصرانية، وكان فيلسوفا قبل ذلك. فدخل في دين النصارى قيل: تقية، وقيل: حيلة ليفسده، فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة وبدعا أحدثوها، فبنى لهم الكنائس والبيع الكبار والصغار، والصوامع والهياكل، والمعابد، والقلايات. وانتشر دين النصرانية (9) في ذلك الزمان، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف، ووضع وكذب، ومخالفة لدين المسيح. ولم يبق على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليل من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامة والقفار، واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم، وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية، والقمامة، وبيت لحم، وكنائس [بلاد] (10) بيت المقدس، ومدن حوران كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، " {مبوأ صدق} [يونس: 93] قال: منازل صدق: مصر والشام " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {مبوأ صدق} [يونس: 93] قال: بوأهم الله الشام وبيت المقدس " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} [يونس: 93] الشام. وقرأ: {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} [الأنبياء: 71] " وقوله: {ورزقناهم من الطيبات} [يونس: 93] يقول: ورزقنا بني إسرائيل من حلال الرزق وهو الطيب. وقوله: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} [يونس: 93] يقول جل ثناؤه: فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل، حتى جاءهم ما كانوا به PageEndV12P285 عالمين؛ وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد النبي صلى الله عليه وسلم مجمعين على نبوة محمد والإقرار به وبمبعثه غير مختلفين فيه بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوبا عندهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعضهم وآمن به من بعضهم، والمؤمنون به منهم كانوا عددا قليلا، فذلك قوله: فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه نبيا لله، فوضع العلم مكان المعلوم. وكان بعضهم يتأول العلم ههنا كتاب الله ووحيه. ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} [يونس: 93] قال: العلم: كتاب الله الذي أنزله وأمره الذي أمرهم به، وهل اختلفوا حتى جاءهم العلم بغيا بينهم أهل الأهواء، هل اقتتلوا إلا على البغي؟ قال: والبغي وجهان: وجه النفاسة في الدنيا ومن اقتتل عليها من أهلها، وبغي في العلم يرى هذا جاهلا مخطئا ويرى نفسه مصيبا عالما، فيبغي بإصابته وعلمه على هذا المخطئ " وقوله: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [يونس: 93] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد يقضي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
وحذف المنذر به للتهويل، ولأنه يعلم حاصله من مقابلته بقوله: وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ، وفعل التبشير يتعدى بالباء، فالتقدير: وبشر الذين آمنوا بأن لهم قدم صدق، فحذف حرف الجر مع (أن) جريا على الغالب. والقدم: اسم لما تقدم وسلف، فيكون في الخير والفضل وفي ضده. قال ذو الرمة: لكم قدم لا ينكر الناس إلها ... مع الحسب العادي طمت على البحر وذكر المازري في «المعلم» عن ابن الأعرابي: أن القدم لا يعبر به إلا عن معنى المقدم لكن في الشرف والجلالة. وهو فعل بمعنى فاعل مثل سلف وثقل. قال ابن عطية: ومن هذه اللفظة قول النبيء صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم: «حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط» يشير إلى حديث أنس بن مالك قال نبيء الله صلى الله عليه وسلم: ما تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة (وفي رواية الجبار) فيها قدمه فتقول قط قط، وعزتك . ويزوى بعضها إلى بعض. وهذا أحد تأويلين لمعنى «قدمه» . وأصل ذلك في «المعلم على صحيح مسلم» للمازري وعزاه إلى النضر بن شميل. والمراد ب قدم صدق في الآية قدم خير، وإضافة قدم إلى صدق من إضافة الموصوف إلى الصفة. وأصله قدم صدق، أي صادق وهو وصف بالمصدر: فعلى قول الجمهور يكون وصف صدق ل قدم وصفا مقيدا. وعلى قول ابن الأعرابي يكون وصفا كاشفا. والصدق: موافقة الشيء لاعتقاد المعتقد، واشتهر في مطابقة الخبر. ويضاف شيء إلى (صدق) بمعنى مصادفته للمأمول منه المرضي وأنه لا يخيب ظن آمل كقوله: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق [يونس: 90] وقوله: في مقعد صدق عند مليك مقتدر [القمر: 55] . وقوله: أن أنذر الناس تفسير لفعل أوحينا. وإنما اقتصر على ذكر هذا الموحى به لأن ذلك هو الذي حملهم على التكذيب إذ صادف صرفهم عن ضلاله دينهم وسمعوا منه تفضيل المؤمنين عليهم. وأيضا في ذكر المفسر إدماج لبشارة المؤمنين بهذه المزية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٨٥) ↗