البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة يونس · الآية ٥٨

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى - مرغبا للخلق في الإقبال على هذا الكتاب الكريم، بذكر أوصافه الحسنة الضرورية للعباد فقال: { يأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم } أي: تعظكم، وتنذركم عن الأعمال الموجبة لسخط الله، المقتضية لعقابه وتحذركم عنها ببيان آثارها ومفاسدها. { وشفآء لما في الصدور } وهو هذا القرآن، شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع وأمراض الشبهات، القادحة في العلم اليقيني، فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة. وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن، أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه. وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرفها الله غاية التصريف، وبينها أحسن بيان، مما يزيل الشبه القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين. وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب العافية، تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده، { وهدى ورحمة للمؤمنين } فالهدى هو العلم بالحق والعمل به. والرحمة هي ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين. وإذا حصل الهدى وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور. ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال: { قل بفضل الله } الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده { وبرحمته } الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته. { فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } من متاع الدنيا ولذاتها. فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب. وإنما أمر الله تعالى بالفرح بفضله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] . وقوله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} (1) أي: بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق (2) فليفرحوا، فإنه أولى ما يفرحون به، {هو خير مما يجمعون} أي: من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة، كما قال ابن أبي حاتم، في تفسير هذه الآية: "وذكر عن بقية (3) -يعني ابن الوليد -عن صفوان بن عمرو، سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول: لما قدم خراج العراق إلى عمر، رضي الله عنه، خرج عمر ومولى له فجعل عمر يعد الإبل، فإذا هي (4) أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله تعالى، ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت. ليس هذا، هو الذي يقول الله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} وهذا مما يجمعون. وقد (5) أسنده (6) الحافظ أبو القاسم الطبراني، فرواه عن أبي زرعة الدمشقي، عن حيوة بن شريح، عن بقية، فذكره. (7) قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحرمون ويحلون من البحائر والسوائب والوصايا، كقوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] الآيات. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت أبا الأحوص -وهو عوف بن [مالك بن] (8) نضلة -يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قشف الهيئة، فقال: "هل لك مال؟ " قال: قلت: نعم. قال: "من أي المال؟ " قال: قلت: من كل المال، من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال (9) إذا آتاك مالا فلير عليك". وقال: "هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها، فتقول: هذه بحر وتشقها، أو تشق جلودها

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٧٥) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ودعاكم إليه، {وبرحمته} [يونس: 58] التي رحمكم بها، فأنزلها إليكم، فعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، وبصركم بها معالم دينكم؛ وذلك القرآن. {فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس: 58] يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا، وأموالها وكنوزها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، في قوله: " {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك PageEndV12P195 فليفرحوا} [يونس: 58] قال: بفضل الله القرآن وبرحمته أن جعلكم من أهله " حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن هلال بن يساف: " {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58] قال: بالإسلام الذي هداكم، وبالقرآن الذي علمكم " حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف: " {قل بفضل الله وبرحمته} [يونس: 58] قال: بالإسلام والقرآن: {فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس: 58] من الذهب والفضة " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله: " {قل بفضل الله وبرحمته} [يونس: 58] قال: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن " حدثني علي بن سهل، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله: " {قل بفضل الله وبرحمته} [يونس: 58] قال: الإسلام والقرآن " PageEndV12P196 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم وقبيصة، قالا: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن هلال، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58] أما فضله: فالإسلام، وأما رحمته: فالقرآن " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

للعبادة نظير الإشارة في قوله: أولئك على هدى من ربهم [البقرة: 5] بعد قوله: للمتقين الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله: هم يوقنون [البقرة: 2- 4] . وفرع على كونه ربهم أن أمروا بعبادته، والمفرع هو المقصود من الجملة وما قبله مؤكد لجملة: إن ربكم الله تأكيدا بفذلكة وتحصيل. والتقدير: إن ربكم الله إلى قوله: فاعبدوه، كقوله: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا [يونس: 58] إذ وقع قوله (فبذلك) تأكيدا لجملة بفضل الله وبرحمته. وأوقع بعده الفرع وهو (فليفرحوا) . والتقدير: قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا بذلك. والمقصود من العبادة العبادة الحق التي لا يشرك معه فيها غيره، بقرينة تفريع الأمر بها على الصفات المنفرد بها الله دون معبوداتهم. وجملة: أفلا تذكرون ابتدائية للتقريع. وهو غرض جديد، فلذلك لم تعطف، فالاستفهام إنكار لانتفاء تذكرهم إذ أشركوا معه غيره ولم يتذكروا في أنه المنفرد بخلق العوالم وبملكها وبتدبير أحوالها. والتذكر: التأمل. وهو بهذه الصيغة لا يطلق إلا على ذكر العقل لمعقولاته، أي حركته في معلوماته، فهو قريب من التفكر إلا أن التذكر لما كان مشتقا من مادة الذكر التي هي في الأصل جريان اللفظ على اللسان، والتي يعبر بها أيضا عن خطور المعلوم في الذهن بعد سهوه وغيبته عنه كان مشعرا بأنه حركة الذهن في معلومات متقررة فيه من قبل. فلذلك أوثر هنا دون لعلكم تتفكرون [البقرة: 219] للإشارة إلى أن الاستدلال على وحدانية الله تعالى قد تقرر في النفوس بالفطرة، وبما تقدم لهم من الدعوة والأدلة فيكفي في الاستدلال مجرد إخطار هذه الأدلة في البال.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٨٩) ↗