سورة يونس · الآية ٤٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن بعض المكذبين للرسول ولما جاء به، { و } أن { منهم من يستمعون } إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت قراءته للوحي، لا على وجه الاسترشاد، بل على وجه التفرج والتكذيب وتطلب العثرات، وهذا استماع غير نافع ولا مجد على أهله خيرا، لا جرم انسد عليهم باب التوفيق، وحرموا من فائدة الاستماع، ولهذا قال: { أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون } وهذا الاستفهام بمعنى النفي المتقرر، أي: لا تسمع الصم الذين لا يستمعون القول ولو جهرت به، وخصوصا إذا كان عقلهم معدوما. فإذا كان من المحال إسماع الأصم الذي لا يعقل للكلام، فهؤلاء المكذبون، كذلك ممتنع إسماعك إياهم إسماعا ينتفعون به. وأما إسماع الحجة، فقد سمعوا ما تقوم عليهم به حجة الله البالغة، فهذا طريق عظيم من طرق العلم قد انسد عليهم، وهو طريق المسموعات المتعلقة بالخير. ثم ذكر انسداد الطريق الثاني، وهو: طريق النظر فقال: { ومنهم من ينظر إليك } فلا يفيده نظره إليك، ولا سبر أحوالك شيئا، فكما أنك لا تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون، فكذلك لا تهدي هؤلاء. فإذا فسدت عقولهم وأسماعهم وأبصارهم التي هي الطرق الموصلة إلى العلم ومعرفة الحقائق، فأين الطريق الموصل لهم إلى الحق؟ ودل قوله: { ومنهم من ينظر إليك } الآية، أن النظر إلى حالة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وأخلاقه وأعماله وما يدعو إليه من أعظم الأدلة على صدقه وصحة ما جاء به، وأنه يكفي البصير عن غيره من الأدلة. وقوله: { إن الله لا يظلم الناس شيئا } فلا يزيد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم. { ولكن الناس أنفسهم يظلمون } يجيئهم الحق فلا يقبلونه، فيعاقبهم الله بعد ذلك بالطبع على قلوبهم، والختم على أسماعهم وأبصارهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ٤٢–٤٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… يحصل لغيرهم، بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، والكافرون ينظرون إليك بعين الاحتقار، {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} [الفرقان: 41، 42] . ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدا شيئا، وإن كان قد هدى به من هدى [من الغي] (2) وبصر به من العمى، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وأضل به عن الإيمان (3) آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال تعالى: {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} وفي الحديث عن أبي ذر (4) عن النبي (5) صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عنه ربه عز وجل: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا -إلى أن قال في آخره: يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". رواه مسلم بطوله. (6) يقول تعالى مذكرا للناس قيام الساعة وحشرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة: كأنهم (7) يوم يوافونها لم يلبثوا في الدنيا {إلا ساعة من النهار} كما قال تعالى: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} [النازعات: 46] ، وقال تعالى: {يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا * يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما} [طه: 102 -104] ، وقال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون} [الروم: 55، 56] . وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة كما قال: {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
باجترامهم ما يورثها غضب الله وسخطه. وإنما هذا إعلام من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، أنه لم يسلب هؤلاء الذين أخبر جل ثناؤه عنهم أنهم لا يؤمنون الإيمان ابتداء منه بغير جرم سلف منهم، وإخبار أنه إنما سلبهم ذلك باستحقاق منهم، سلبه لذنوب اكتسبوها، فحق عليهم قول ربهم، {وطبع على قلوبهم} [التوبة: 87]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٨٧) ↗التحرير والتنوير
عن الجمع في صلة (من) الثانية هو التفنن وكراهية إعادة صيغة الجمع لثقلها لا سيما بعد أن حصل فهم المراد، أو لعل اختلاف الصيغتين للمناسبة مع مادة فعلي (يستمع) و (ينظر) . ففعل (ينظر) لا تلائمه صيغة الجمع لأن حروفه أثقل من حروف (يستمع) فيكون العدول استقصاء لمقتضى الفصاحة. [44] 44] إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) تذييل، وشمل عموم الناس المشركين الذين يستمعون ولا يهتدون وينظرون ولا يعتبرون. والمقصود من هذا التذييل التعريض بالوعيد بأن سينالهم ما نال جميع الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب رسل الله. وعموم الناس الأول على بابه وعموم الناس الثاني مراد به خصوص الناس الذين ظلموا أنفسهم بقرينة الخبر. وإنما حسن الإتيان في جانب هؤلاء بصيغة العموم تنزيلا للكثرة منزلة الإحاطة لأن ذلك غالب حال الناس في ذلك الوقت. وهذا الاستدراك أشعر بكلام مطوي بعد نفي الظلم عن الله، وهو أن الله لا يظلم الناس بعقابه من لم يستوجب العقاب ولكن الناس يظلمون فيستحقون العقاب، فصار المعنى أن الله لا يظلم الناس بالعقاب ولكنهم يظلمون أنفسهم بالاعتداء على ما أراد منهم فيعاقبهم عدلا لأنهم ظلموا فاستوجبوا العقاب. وتقديم المفعول على عامله لإفادة تغليطهم بأنهم ما جنوا بكفرهم إلا على أنفسهم وما ظلموا الله ولا رسله فما أضروا بعملهم إلا أنفسهم. وقرأ الجمهور بتشديد نون لكن ونصب الناس. وقرأ حمزة والكسائي وخلف بتخفيف النون ورفع الناس.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٨٠) ↗