سورة يونس · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مبينا لربوبيته وإلهيته وعظمته: { إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية، ولأنه رفيق في أفعاله. ومن جملة حكمته فيها، أنه خلقها بالحق وللحق، ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة. { ثم } بعد خلق السماوات والأرض { استوى على العرش } استواء يليق بعظمته. { يدبر الأمر } في العالم العلوي والسفلي، من الإماتة والإحياء، وإنزال الأرزاق، ومداولة الأيام بين الناس، وكشف الضر عن المضرورين، وإجابة سؤال السائلين. فأنواع التدابير نازلة منه وصاعدة إليه، وجميع الخلق مذعنون لعزه، خاضعون لعظمته وسلطانه. { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } فلا يقدم أحد منهم على الشفاعة، ولو كان أفضل الخلق، حتى يأذن الله ولا يأذن، إلا لمن ارتضى، ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له. { ذلكم } الذي هذا شأنه { الله ربكم } أي: هو الله الذي له وصف الإلهية الجامعة لصفات الكمال، ووصف الربوبية الجامع لصفات الأفعال. { فاعبدوه } أي: أفردوه بجميع ما تقدرون عليه من أنواع العبودية، { أفلا تذكرون } الأدلة الدالة على أنه وحده المعبود المحمود، ذو الجلال والإكرام. فلما ذكر حكمه القدري وهو التدبير العام، وحكمه الديني وهو شرعه، الذي مضمونه ومقصوده عبادته وحده لا شريك له، ذكر الحكم الجزائي، وهو مجازاته على الأعمال بعد الموت، فقال: { إليه مرجعكم جميعا } أي: سيجمعكم بعد موتكم، لميقات يوم معلوم. { إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده } فالقادر على ابتداء الخلق قادر على إعادته، والذي يرى ابتداءه بالخلق، ثم ينكر إعادته للخلق، فهو فاقد العقل منكر لأحد المثلين مع إثبات ما هو أولى منه، فهذا دليل عقلي واضح على المعاد. وقد ذكر الدليل النقلي فقال: { وعد الله حقا } أي: وعده صادق لا بد من إتمامه. { ليجزي الذين آمنوا } بقلوبهم بما أمرهم الله بالإيمان به. { وعملوا الصالحات …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحدا حتى يعيده كما بدأه. ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده، {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] . {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي: بالعدل والجزاء الأوفى، {والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} أي: بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العقاب، من {سموم وحميم وظل من يحموم} [الواقعة: 42، 43] . {هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج} [ص: 57، 58] . {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 43، 44] . يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء وشعاع القمر نورا، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر، كما قال تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 39، 40] . وقال: {والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] . وقال في هذه الآية الكريمة: {وقدره} أي: القمر {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام. {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} أي: لم يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، كما قال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] . وقال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 115، 116] …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
معادكم أيها الناس يوم القيامة جميعا. {وعد الله حقا} [النساء: 122] فأخرج وعد الله مصدرا من قوله: {إليه مرجعكم} [الأنعام: 60] لأن فيه معنى الوعد، ومعناه: يعدكم الله أن يحييكم بعد مماتكم وعدا حقا، فلذلك نصب {وعد الله حقا} [النساء: 122] {إنه يبدؤ الخلق ثم يعيده} . يقول تعالى ذكره: إن ربكم يبدأ إنشاء الخلق وإحداثه وإيجاده ثم يعيده، فيوجده حيا كهيئته يوم ابتدأه بعد فنائه وبلائه. PageEndV12P116 كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 4] قال: يحييه ثم يميته " قال أبو جعفر: وأحسبه أنه قال: «ثم يحييه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: {يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 4] قال: يحييه ثم يميته ثم يحييه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 4] يحييه ثم يميته، ثم يبدؤه ثم يحييه " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه وقرأت قراء الأمصار ذلك: {إنه يبدأ الخلق} [يونس: 4] بكسر الألف من إنه على الاستئناف وذكر عن أبي جعفر الرازي أنه قرأه أنه بفتح الألف من «أنه» كأنه أراد: حقا أن يبدأ الخلق ثم يعيده، ف «أن» حينئذ تكون رفعا، كما قال الشاعر: [البحر الطويل] أحقا عباد الله أن لست زائرا %~% أبا حبة إلا علي رقيب PageEndV12P117 وقوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} [يونس: 4] يقول: ثم يعيده من بعد مماته كهيئته قبل مماته عند بعثه من قبره، وقوله: {ليجزي الذين آمنوا} [يونس: 4] يقول: ليثيب من صدق الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به من الأعمال واجتنبوا ما نهاهم عنه على أعمالهم الحسنة {بالقسط} [يونس: 4] يقول: ليجزيهم على الحسن من أعمالهم التي عملوها في الدنيا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
4] إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (4) وقع أمرهم بعبادته عقب ذكر الجزاء إنذارا وتبشيرا، فالجملة كالدليل على وجوب عبادته، وهي بمنزلة النتيجة الناشئة عن إثبات خلقه السماوات والأرض لأن الذي خلق مثل تلك العوالم من غير سابق وجود لا يعجزه أن يعيد بعض الموجودات الكائنة في تلك العوالم خلقا ثانيا. ومما يشير إلى هذا قوله: إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده، فبدء الخلق هو ما سبق ذكره، وإعادته هي ما أفاده قوله: إليه مرجعكم جميعا ولذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من شبه كمال الاتصال، على أنها يجوز كونها خبرا آخر عن قوله: إن ربكم [يونس: 3] ، أو عن قوله: ذلكم الله ربكم [يونس: 3] . وقد تضمنت هذه الجملة إثبات الحشر الذي أنكروه وكذبوا النبيء صلى الله عليه وسلم لأجله. وفي تقديم المجرور في قوله: إليه مرجعكم إفادة القصر، أي لا إلى غيره، قطعا لمطامع بعضهم القائلين في آلهتهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله [يونس: 18] يريدون أنهم شفعاء على تسليم وقوع البعث للجزاء، فإذا كان الرجوع إليه لا إلى غيره كان حقيقا بالعبادة وكانت عبادة غيره باطلا. والمرجع: مصدر ميمي بمعنى الرجوع. وقد تقدم في قوله: إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون في سورة العقود [105] . وجميعا حال من ضمير المخاطبين المضاف إليه المصدر العامل فيه. وانتصب وعد الله على المفعولية المطلقة توكيدا لمضمون الجملة المساوية له، ويسمى موكدا لنفسه في اصطلاح النحاة لأن مضمون إليه مرجعكم الوعد بإرجاعهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٩٠) ↗