البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة يونس · الآية ٣٦

﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى - مبينا عجز آلهة المشركين وعدم اتصافها بما يوجب اتخاذها آلهة مع الله - { قل هل من شركآئكم من يبدؤا الخلق } أي: يبتديه { ثم يعيده } وهذا استفهام بمعنى النفي والتقرير، أي: ما منهم أحد يبدأ الخلق ثم يعيده، وهي أضعف من ذلك وأعجز، { قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده } من غير مشارك ولا معاون له على ذلك. { فأنى تؤفكون } أي: تصرفون، وتنحرفون عن عبادة المنفرد بالابتداء، والإعادة إلى عبادة من لا يخلق شيئا وهم يخلقون. { قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق } ببيانه وإرشاده أو بإلهامه وتوفيقه. { قل الله } وحده { يهدي للحق } بالأدلة والبراهين، وبالإلهام والتوفيق، والإعانة إلى سلوك أقوم طريق. { أمن لا يهدي } أي: لا يهتدي { إلا أن يهدى } لعدم علمه، ولضلاله، وهي شركاؤهم، التي لا تهدي ولا تهتدي إلا أن تهدى { فما لكم كيف تحكمون } أي: أي شيء جعلكم تحكمون هذا الحكم الباطل، بصحة عبادة أحد مع الله، بعد ظهور الحجة والبرهان أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده. فإذا تبين أنه ليس في آلهتهم التي يعبدون مع الله أوصافا معنوية ولا أوصافا فعلية، تقتضي أن تعبد مع الله، بل هي متصفة بالنقائص الموجبة لبطلان إلهيتها، فلأي شيء جعلت مع الله آلهة؟ فالجواب: أن هذا من تزيين الشيطان للإنسان، أقبح البهتان، وأضل الضلال، حتى اعتقد ذلك وألفه وظنه حقا، وهو لا شيء. ولهذا قال: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء أي: ما يتبعون في الحقيقة شركاء لله، فإنه ليس لله شريك أصلا عقلا ولا نقلا وإنما يتبعون الظن و { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } فسموها آلهة وعبدوها مع الله، إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان [النجم: 23]. { إن الله عليم بما يفعلون } وسيجازيهم على ذلك بالعقوبة البليغة.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ٣٤–٣٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

الحق ويبصر بعد العمى، أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا] (1) أن يهدى، لعماه وبكمه؟ كما قال تعالى إخبارا عن إبراهيم أنه قال: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} [مريم: 42] ، وقال لقومه: {أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 95، 96] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: {فما لكم كيف تحكمون} أي: فما بالكم (2) يذهب بعقولكم، كيف سويتم بين الله وبين خلقه، وعدلتم هذا بهذا، وعبدتم هذا وهذا؟ وهلا أفردتم الرب جل جلاله المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده، وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة. ثم بين تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلا ولا برهانا، وإنما هو ظن منهم، أي: توهم وتخيل، وذلك لا يغني عنهم شيئا، {إن الله عليم بما يفعلون} تهديد لهم، ووعيد شديد؛ لأنه تعالى أخبر (3) أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء. هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور، ولا بسورة من مثله، لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته، واشتماله على المعاني العزيزة (4) [للعزيرة] (5) النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا صفاته، ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين؛ ولهذا قال تعالى: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} (6) أي: مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله، ولا يشبه هذا كلام (7) البشر، {ولكن تصديق الذي بين يديه} أي: من الكتب المتقدمة، ومهيمنا عليها، ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل. وقوله: {وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} أي: وبيان الأحكام والحلال والحرام، بيانا

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٦٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

[يونس: 36] يقول: إن الشك لا يغني من اليقين شيئا، ولا يقوم في شيء مقامه، ولا ينتفع به حيث يحتاج إلى اليقين. {إن الله عليم بما يفعلون} [يونس: 36] يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بما يفعل هؤلاء المشركون من اتباعهم الظن وتكذيبهم الحق اليقين، وهو لهم بالمرصاد، حيث لا يغني عنهم ظنهم من الله شيئا

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٨١) ↗

التحرير والتنوير

وقول العرب: ما لك؟ ونحوه استفهام يعامل معاملة الاستفهام في حقيقته ومجازه. وفي الحديث أن رجلا قال للنبيء صلى الله عليه وسلم دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال الناس: «ما له! ما له!» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرب ما له» . فإذا كان المستفهم عنه حالا ظاهرة لم يحتج إلى ذكر شيء بعد (ما له) كما وقع في الحديث. وجعل الزجاج هذه الآية منه فقال: فما لكم: كلام تام، أي شيء لكم في عبادة الأوثان. قال ابن عطية: ووقف القراء فما لكم ثم يبدأ كيف تحكمون. وإذا كان بخلاف ذلك أتبعوا الاستفهام بحال وهو الغالب كقوله تعالى: ما لكم لا تناصرون [الصافات: 25] فما لهم عن التذكرة معرضين [المدثر: 49] ولذلك قال بعض النحاة: مثل هذا الكلام لا يتم بدون ذكر حال بعده، فالخلاف بين كلامهم وكلام الزجاج لفظي. وجملة: كيف تحكمون استفهام يتنزل منزلة البيان لما في جملة: فما لكم من الإجمال ولذلك فصلت عنها فهو مثله استفهام تعجيبي من حكمهم الضال إذ حكموا بإلهية من لا يهتدي فهو تعجيب على تعجيب. ولك أن تجعل هذه الجملة دليلا على حال محذوفة. [36] 36] وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون (36) عطف على جملة: قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق [يونس: 35] باعتبار عطف تلك على نظيرتيها المذكورتين قبلها، فبعد أن أمر الله رسوله بأن يحجهم فيما جعلوهم آلهة وهي لا تصرف ولا تدبير ولا هداية لها، أعقب ذلك بأن عبادتهم إياها اتباع لظن باطل، أي لوهم ليس فيه شبهة حق.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٦٤) ↗