سورة يونس · الآية ٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { قل } لهؤلاء الذين أشركوا بالله، ما لم ينزل به سلطانا - محتجا عليهم بما أقروا به من توحيد الربوبية، على ما أنكروه من توحيد الألوهية - { من يرزقكم من السمآء والأرض } بإنزال الأرزاق من السماء، وإخراج أنواعها من الأرض، وتيسير أسبابها فيها؟ { أمن يملك السمع والأبصار } أي: من هو الذي خلقهما وهو مالكهما؟، وخصهما بالذكر من باب التنبيه على المفضول بالفاضل، ولكمال شرفهما ونفعهما. { ومن يخرج الحي من الميت } كإخراج أنواع الأشجار والنبات من الحبوب والنوى، وإخراج المؤمن من الكافر، والطائر من البيضة، ونحو ذلك، { ويخرج الميت من الحي } عكس هذه المذكورات، { ومن يدبر الأمر } في العالم العلوي والسفلي، وهذا شامل لجميع أنواع التدابير الإلهية، فإنك إذا سألتهم عن ذلك { فسيقولون الله } لأنهم يعترفون بجميع ذلك، وأن الله لا شريك له في شيء من المذكورات. { فقل } لهم إلزاما بالحجة { أفلا تتقون } الله فتخلصون له العبادة وحده لا شريك له، وتخلعون ما تعبدون من دونه من الأنداد والأوثان. { فذلكم } الذي وصف نفسه بما وصفها به { الله ربكم } أي: المألوه المعبود المحمود، المربي جميع الخلق بالنعم وهو: { الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال }. فإنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير لجميع الأشياء، الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العظيمة والجلال والإكرام. { فأنى تصرفون } عن عبادة من هذا وصفه، إلى عبادة الذي ليس له من وجوده إلا العدم، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فليس له من الملك مثقال ذرة، ولا شركة له بوجه من الوجوه، ولا يشفع عند الله إلا بإذنه، فتبا لمن أشرك به، وويحا لمن كفر به، لقد عدموا عقولهم بعد أن عدموا أديانهم، بل فقدوا دنياهم وأخراهم. ولهذا قال [تعالى] عنهم: { كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ويعترفون به، {فقل أفلا تتقون} أي: أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟. وقوله: {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} أي: فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، {فماذا بعد الحق إلا الضلال} أي: فكل معبود سواه باطل، لا إله إلا هو، واحد (1) لا شريك له. {فأنى تصرفون} (2) أي: فكيف تصرفون (3) عن عبادته إلى عبادة ما سواه، وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء، والمتصرف في كل شيء؟ وقوله: {كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} أي: كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره، مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده، الذي بعث رسله بتوحيده؛ فلهذا حقت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار، كقوله: {قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] . وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره، وعبدوا من الأصنام والأنداد، {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده} أي: من بدأ خلق هذه السموات والأرض ثم ينشئ (1) ما فيهما من الخلائق، ويفرق أجرام السموات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما، ثم يعيد الخلق (2) خلقا جديدا؟ {قل الله} هو الذي يفعل هذا ويستقل به، وحده لا شريك له، {فأنى تؤفكون} أي: فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل؟! {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق} أي: أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضلال، ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله، الذي لا إله إلا هو. {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى} أي: أفيتبع [العبد الذي يهدي إلى
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٦٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربكم الحق} [يونس: 32] لا شك فيه. {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32] يقول: فأي شيء سوى الحق إلا الضلال وهو الجور عن قصد السبيل. يقول: فإذا كان الحق هو ذا، فادعاؤكم غيره إلها وربا هو الضلال والذهاب عن الحق لا شك فيه. {فأنى تصرفون} [يونس: 32] يقول: فأي وجه عن الهدى والحق تصرفون وسواهما تسلكون وأنتم مقرون بأن الذي تصرفون عنه هو الحق
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٧٧) ↗التحرير والتنوير
32] فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) الفاء للتفريع على الإنكار الذي في قوله: أفلا تتقون [يونس 31] ، فالمفرع من جملة المقول. واسم الإشارة عائد إلى اسم الجلالة للتنبيه على أن المشار إليه جدير بالحكم الذي سيذكر بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف المتقدمة على اسم الإشارة وهي كونه الرازق، الواهب الإدراك، الخالق، المدبر، لأن اسم الإشارة قد جمعها. وأومأ إلى أن الحكم الذي يأتي بعده معلل بمجموعها. واسم الجلالة بيان لاسم الإشارة لزيادة الإيضاح تعريضا بقوة خطئهم وضلالهم في الإلهية. وربكم خبر. الحق صفة له. وتقدم الوصف بالحق آنفا في الآية مثل هذه. والفاء في قوله: فماذا بعد الحق إلا الضلال تفريع للاستفهام الإنكاري على الاستنتاج الواقع بعد الدليل، فهو تفريع على تفريع وتفريع بعد تفريع. وفماذا مركب من (ما) الاستفهامية و (ذا) الذي هو اسم إشارة. وهو يقع بعد (ما) الاستفهامية كثيرا. وأحسن الوجوه أنه بعد الاستفهام مزيد لمجرد التأكيد. ويعبر عن زيادته بأنه ملغى تجنبا من إلزام أن يكون الاسم مزيدا كما هنا. وقد يفيد معنى الموصولية كما تقدم في قوله تعالى: ماذا أراد الله بهذا مثلا في سورة البقرة [26] . وانظر ما يأتي عند قوله: ماذا يستعجل منه المجرمون في هذه السورة [50] . والاستفهام هنا إنكاري في معنى النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء في قوله: إلا الضلال. وبعد هنا مستعملة في معنى (غير) باعتبار أن المغاير يحصل إثر مغايرة وعند انتفائه. فالمعنى: ما الذي يكون إثر انتفاء الحق. ولما كان الاستفهام ليس على حقيقته لأنه لا تردد في المستفهم عنه تعين أنه إنكار وإبطال فلذا وقع الاستثناء منه بقوله: إلا الضلال. فالمعنى لا يكون إثر انتفاء الحق
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٥٨) ↗