سورة يونس · الآية ١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا من لطفه وإحسانه بعباده، أنه لو عجل لهم الشر إذا أتوا بأسبابه، وبادرهم بالعقوبة على ذلك، كما يعجل لهم الخير إذا أتوا بأسبابه { لقضي إليهم أجلهم } أي: لمحقتهم العقوبة، ولكنه تعالى يمهلهم ولا يهملهم، ويعفو عن كثير من حقوقه، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة. ويدخل في هذا أن العبد إذا غضب على أولاده أو أهله أو ماله، ربما دعا عليهم دعوة لو قبلت منه لهلكوا، ولأضره ذلك غاية الضرر، ولكنه تعالى حليم حكيم. وقوله: { فنذر الذين لا يرجون لقآءنا } أي: لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يستعدون لها، ولا يعلمون ما ينجيهم من عذاب الله، { في طغيانهم } أي: باطلهم، الذي جاوزوا به الحق والحد. { يعمهون } يترددون حائرين، لا يهتدون السبيل ولا يوفقون لأقوم دليل، وذلك عقوبة لهم على ظلمهم، وكفرهم بآيات الله.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ذلك، كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم. يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الضر، كقوله: {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} [فصلت: 51] أي: كثير، وهما في معنى واحد؛ وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها، وأكثر الدعاء عند ذلك، فدعا الله في كشفها وزوالها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه، وفي جميع أحواله، فإذا فرج الله شدته وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذاك شيء، {مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته (1) فقال: {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد، فإنه مستثنى من ذلك، كما قال تعالى: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} [هود: 11] ، وكقول (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن (3) لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له"، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. (4) أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية، في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم، وأرسل إليهم رسولا لينظر طاعتهم له، واتباعهم رسوله، وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". (5) وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد (6) حدثنا حماد، عن ثابت
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٥٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه به {لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] يقول: لهلكوا وعجل لهم الموت، وهو الأجل. وعنى بقوله: {لقضي} [الأنعام: 8] لفرغ إليهم من أجلهم وتبدى لهم، كما قال أبو ذؤيب: [البحر الكامل]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٢٩) ↗التحرير والتنوير
وسياق الكلام وترتيبه مشعر بأنهم يدعون مجتمعين، ولذلك قرن ذكر دعائهم بذكر تحيتهم، فلعلهم إذا تراءوا ابتدروا إلى الدعاء بالتسبيح فإذا اقترب بعضهم من بعض سلم بعضهم على بعض. ثم إذا راموا الافتراق ختموا دعاءهم بالحمد، فأن تفسيرية لآخر دعواهم، وهي مؤذنة بأن آخر الدعاء هو نفس الكلمة الحمد لله رب العالمين. وقد دل على فضل هاتين الكلمتين قول النبيء صلى الله عليه وسلم «كلمتان حبيبتان إلى الرحمان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» . [11] 11] ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) مجيء حرف العطف في صدر هذه الآية يقتضي في علم البلاغة خصوصية لعطفها على ما قبلها ومزيد اتصالها بما قبلها فتعين إيضاح مناسبة موقعها. والظاهر أن المشركين كانوا من غرورهم يحسبون تصرفات الله كتصرفات الناس من الاندفاع إلى الانتقام عند الغضب اندفاعا سريعا، ويحسبون الرسل مبعوثين لإظهار الخوارق ونكاية المعارضين لهم، ويسوون بينهم وبين المشعوذين والمتحدين بالبطولة والعجائب، فكانوا لما كذبوا النبيء صلى الله عليه وسلم وركبوا رؤوسهم ولم تصبهم بأثر ذلك مصائب من عذاب شامل أو موتان عام ازدادوا غرورا بباطلهم وإحالة لكون الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلا من قبل الله تعالى. وقد دلت آيات كثيرة من القرآن على هذا كقوله: وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال: 32] وقوله: يستعجلونك بالعذاب [الحج: 47] وقوله: فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون [الذاريات: 59] وقد بينا ذلك في سورة الأنعام وفي سورة الأنفال.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٠٥) ↗