وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضا وتعارضا وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء ولنفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط فإنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الاطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين قال ابقراط في اثناء كلامه في الأمراض الحادة ضرر الخمرة بالرأس شديد لأنه يسرع الأرتفاع إليه ويرتفع بارتفاعه الاخلاط التي تعلو في البدن وهو كذلك يضر بالدهن وقال صاحب الكامل إن خاصية الشراب الإضرار بالدماغ والعصب وأما غيره من الأدوية المحرمة فنوعان أحدهما تعافه النفس ولا تنبعث لمساعدته الطبيعية على دفع المرض به كالسموم ولحوم الافاعي وغيرها من المستقذرات فيبقى كلا على الطبيعة مثقلا لها فيصير حينئذ داء لا دواء والثاني ما لا تعافه النفس كالشراب الذي تستعمله الحوامل مثلا فهذا ضرره أكثر من نفعه والعقل يقضي بتحريم ذلك فالعقل والفطرة مطابق للشرع في ذلك وها هنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته وما جعل الله فيه من بركة الشفاء فإن النافع هو المبارك وأنفع الأشياء ابركها والمبارك من الناس أينما كان هو الذي ينتفع به حيث حل ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول بل كلما كان العبد أعظم إيمانا كان اكره لها
السيرة وأخبار الصحابة
زاد المعاد في هدي خير العباد
ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)
تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط · مؤسسة الرسالة · ١٤٠٧هـ · نص مشروع OpenITI
زاد المعاد في هدي خير العباد · الجزء ٤ · ص ١٥٧
الإحالة: (ابن القيم، ت ٧٥١هـ: ٤/١٥٧)