مقدمة مفيدة › {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) }
وقوله: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} أي: من كان عمله للدنيا فقد نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة [من] (1) نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا كما قال: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى:20] وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 18، 19] وهكذا قال هاهنا: {وسنجزي الشاكرين} أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم. ثم قال تعالى -مسليا للمسلمين (2) عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد-: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} قيل: معناه: كم من نبي قتل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، فإنه قال: وأما الذين قرؤوا: {قتل معه ربيون كثير} فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل. قال: ومن قرأ {قاتل} فإنه اختار ذلك لأنه قال: لو قتلوا (3) لم يكن لقوله: {فما وهنوا} وجه معروف؛ لأنهم يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا. ثم اختار قراءة من قرأ {قتل معه ربيون كثير} ؛ لأن الله [تعالى] (4) عاتب بهذه الآيات والتي (5) قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال أو سمعوا الصائح يصيح: "إن (6) محمدا قد قتل". فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال فقال لهم: {أفإن مات أو قتل} أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم؟. وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير (7) . وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولا آخر، [فإنه] (8) قال: أي وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه ربيون، أي: جماعات فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر، {والله يحب الصابرين} . فجعل قوله: {معه ربيون كثير} حالا وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه، وله اتجاه لقوله: {فما وهنوا لما أصابهم} الآية، وكذلك حكاه الأموي في مغازيه، عن كتاب محمد بن إبراهيم، ولم يقل (9) غيره. وقرأ بعضهم: {قاتل معه ربيون كثير} قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن ابن