مقدمة مفيدة › {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) }
عن أبي حمزة عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في المال حق سوى الزكاة" ثم تلا (1) {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} إلى قوله: {وفي الرقاب} [وقد أخرجه ابن ماجه والترمذي (2) وضعف أبا حمزة ميمونا (3) الأعور، قال: وقد رواه بيان (4) وإسماعيل بن سالم عن الشعبي] (5) . وقوله: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها، وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي. وقوله: {وآتى الزكاة} يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية (6) الرذيلة، كقوله: {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} [الشمس:9، 10] وقول موسى لفرعون: {هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى} [النازعات: 18، 19] وقوله تعالى: {وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 6، 7] . ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال (7) كما قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، ويكون المذكور من إعطاء (8) هذه الجهات والأصناف المذكورين إنما هو التطوع والبر والصلة؛ ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: أن في المال حقا سوى الزكاة، والله أعلم. وقوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} كقوله: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} [الرعد: 20] وعكس هذه الصفة النفاق، كما صح في الحديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". وفي الحديث الآخر:"إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (9) . وقوله: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام، وهو الضراء. {وحين البأس} أي: في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومرة الهمداني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، والضحاك، وغيرهم. وإنما نصب {والصابرين} على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان. وقوله: {أولئك الذين صدقوا} أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا {وأولئك هم