سورة النمل › باب ما جاء في الشهرة › {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (5) }
{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105] يعني بذلك: أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافا كثيرا، كما جاء في الحديث المروي من طرق: "أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (1) . وقوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} كقوله {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] ؛ ولهذا قال: حنفاء، أي: متحنفين عن الشرك إلى التوحيد. كقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة "الأنعام" (2) بما أغنى عن إعادته هاهنا. {ويقيموا الصلاة} وهي أشرف عبادات البدن، {ويؤتوا الزكاة} وهي الإحسان إلى الفقراء (3) والمحاويج. {وذلك دين القيمة} أي: الملة القائمة العادلة، أو: الأمة المستقيمة المعتدلة. وقد استدل كثير من الأئمة، كالزهري والشافعي، بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ ولهذا قال: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} يخبر تعالى عن مآل الفجار، من كفرة أهل الكتاب، والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة: أنهم يوم القيامة {في نار جهنم خالدين فيها} أي: ماكثين، لا يحولون عنها ولا يزولون {أولئك هم شر البرية} أي: شر الخليقة التي برأها الله وذرأها. ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار -الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم-بأنهم خير