سورة النمل › باب ما جاء في الشهرة › {لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسأل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) }
القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} [سبأ: 29، 30] . وقال تعالى ها هنا: {فإذا برق البصر} قال أبو عمرو بن العلاء: {برق} بكسر الراء، أي: حار. وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: {لا يرتد إليهم طرفهم} [إبراهيم: 43] ، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء؛ من شدة الرعب. وقرأ آخرون: "برق" بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول. والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور. وقوله: {وخسف القمر} أي: ذهب ضوءه. {وجمع الشمس والقمر} قال مجاهد: كورا. وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية: {إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت} [التكوير: 1، 2] وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: "وجمع بين الشمس والقمر". وقوله: {يقول الإنسان يومئذ أين المفر} أي: إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة، حينئذ يريد أن يفر ويقول: أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟ قال الله تعالى: {كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر} قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: أي لا نجاة. وهذه كقوله: {ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير} [الشورى: 47] أي: ليس لكم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال هاهنا {لا وزر} أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه؛ ولهذا قال: {إلى ربك يومئذ المستقر} أي: المرجع والمصير. ثم قال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] وهكذا قال هاهنا: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} [الإسراء: 14] . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {بل الإنسان على نفسه بصيرة} يقول: سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه. وقال قتادة: شاهد على نفسه. وفي رواية قال: إذا شئت -والله-رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم غافلا عن ذنوبه، وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبا: يا ابن آدم، تبصر القذاة في عين أخيك، وتترك الجذل (1) في عينك لا تبصره.