البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

عماد الدين إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤هـ)

ت. سامي بن محمد سلامة · دار طيبة · الطبعة الثانية ١٤٢٠هـ · نص مشروع OpenITI

سورة النمل › باب ما جاء في الشهرة › {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (44) واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) }

يقول تعالى: {ومن يعش} أي: يتعامى ويتغافل ويعرض، {عن ذكر الرحمن} والعشا في العين: ضعف بصرها. والمراد هاهنا: عشا البصيرة، {نقيض له شيطانا فهو له قرين} كقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، وكقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وكقوله: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [فصلت:25] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا} أي: هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله، ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به، {قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} [أي: فبئس القرين كنت لي في الدنيا] (1) وقرأ بعضهم: "حتى إذا جاءانا" يعني: القرين والمقارن. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه، حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار، فذلك حين يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} (2) والمراد بالمشرقين هنا (3) هو ما بين المشرق والمغرب. وإنما استعمل هاهنا تغليبا، كما يقال (4) القمران، والعمران، والأبوان، [والعسران] (5) . قاله ابن جرير وغيره. [ولما كان الاشتراك في المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته، كما قالت الخنساء تبكي أخاها: ولولا كثرة الباكين حولي %~% على قتلاهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن %~% أسلي النفس عنه بالتأسي قطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي وتسلية ولا تخفيف] . (6) ثم قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} أي: لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم. وقوله: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} أي: ليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكم العدل (7) في ذلك.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) · الجزء ٧ · ص ٢٢٨

الإحالة: (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٢٨)