سورة النمل › باب ما جاء في الشهرة › {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) } {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) }
ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا، وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله، قال [الله سبحانه وتعالى] (1) {بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} (2) أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه (3) آياتي في الدار الدنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها، الجاحدين لها. يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه، وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى هاهنا: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله} أي: في دعواهم له شريكا وولدا {وجوههم مسودة} أي: بكذبهم وافترائهم. وقوله: {أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} أي: أليست جهنم كافية لها (4) سجنا وموئلا لهم فيها [دار] (5) الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، عن عمرو بن شعيب (6) ، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنا من النار في واد يقال له بولس، من نار الأنيار، ويسقون عصارة أهل النار، ومن طينة الخبال" (7) . وقوله: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} أي: مما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، {لا يمسهم السوء} أي: يوم القيامة، {ولا هم يحزنون} أي: ولا يحزنهم (8) الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فزع، مزحزحون عن كل شر، مؤملون كل خير. يخبر تعالى أنه خالق (9) الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته.