سورة النمل › باب ما جاء في الشهرة › {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) }
{ذلك عالم الغيب والشهادة} أي: المدبر لهذه الأمور الذي هو شهيد على أعمال عباده، يرفع إليه جليلها وحقيرها، وصغيرها وكبيرها -هو {العزيز} الذي قد عز كل شيء فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، {الرحيم} بعباده المؤمنين. فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته [وهذا هو الكمال: العزة مع الرحمة، والرحمة مع العزة، فهو رحيم بلا ذل] . (1) يقول تعالى: إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: {الذي أحسن كل شيء خلقه} قال: أحسن خلق كل شيء. كأنه جعله من المقدم والمؤخر. ثم لما ذكر خلق السموات والأرض، شرع في ذكر خلق الإنسان فقال: {وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني: خلق أبا البشر آدم من طين. {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} أي: يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة. {ثم سواه} يعني: آدم، لما خلقه من تراب خلقه سويا مستقيما، {ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} ، يعني: العقول، {قليلا ما تشكرون} أي: بهذه القوى التي رزقكموها الله عز وجل. (2) فالسعيد من استعملها في طاعة ربه عز وجل. يقول تعالى مخبرا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا: {أئذا ضللنا في الأرض} أي: تمزقت أجسامنا وتفرقت في أجزاء الأرض (3) وذهبت، {أئنا لفي خلق جديد} ؟ أي: أئنا لنعود بعد تلك الحال؟! يستبعدون ذلك، (4) وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قدرتهم العاجزة، لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون؛ ولهذا قال: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} . ثم قال: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} ، الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص