البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

عماد الدين إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤هـ)

ت. سامي بن محمد سلامة · دار طيبة · الطبعة الثانية ١٤٢٠هـ · نص مشروع OpenITI

سورة النمل › {الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) } {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) }

وقوله: {وهو العزيز} أي: في انتصاره وانتقامه من أعدائه، {الرحيم} بعباده المؤمنين. وقوله: {وعد الله لا يخلف الله وعده} أي: هذا (1) الذي أخبرناك به -يا محمد -من أنا سننصر الروم على فارس، وعد من الله حق، وخبر صدق لا يخلف، ولا بد من كونه ووقوعه؛ لأن الله قد جرت سنته أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلتين إلى الحق، ويجعل لها العاقبة، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: بحكم الله في كونه وأفعاله المحكمة الجارية على وفق العدل. وقوله: {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن (2) له ولا فكرة. قال الحسن البصري: والله لبلغ (3) من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي. وقال ابن عباس في قوله: {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} يعني: الكفار، يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال. يقول تعالى منبها على التفكر في مخلوقاته، الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه، فقال: {أولم يتفكروا في أنفسهم} يعني به: النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدى ولا باطلا بل بالحق، وأنها مؤجلة (4) إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة؛ ولهذا قال: {وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون} . ثم نبههم على صدق رسله فيما جاءوا به عنه، بما أيدهم به من المعجزات، والدلائل (5) الواضحات، من إهلاك من كفر بهم، ونجاة من صدقهم، فقال: {أولم يسيروا في الأرض} أي: بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماعهم أخبار الماضين؛ ولهذا قال: {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة}

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) · الجزء ٦ · ص ٣٠٥

الإحالة: (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٠٥)