سورة النور › {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) } {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) }
كما قال هاهنا: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} . وعن ابن مسعود: أنه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدا واحدا، فكلهم لم يشربه لأنه كان صائما، فتناوله ابن مسعود وكان مفطرا فشربه، ثم تلا قوله تعالى (1) {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} ، رواه النسائي، وابن أبي حاتم، من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عنه (2) . وقال [ابن أبي حاتم] (3) أيضا: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. فيقومون، وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق" (4) . وروى الطبراني، من حديث بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} [فاطر: 30] قال: {أجورهم} يدخلهم الجنة {، ويزيدهم من فضله} ، الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة، لمن صنع لهم المعروف في الدنيا (5) . هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول "البقرة" (6) مثلين ناريا ومائيا، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة "الرعد" (7) مثلين مائيا وناريا، وقد تكلمنا على كل منها (8) في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة. فأما الأول من هذين المثلين: فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن (9) بعد كأنه بحر طام.