سورة النور › {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) } {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) }
الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي هبيرة (1) قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس -تكلم ورفع صوته. [و] (2) قال مجاهد: {حتى تستأنسوا} قال: تنحنحوا -أو (3) تنخموا. وعن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، أنه قال: إذا دخل الرجل بيته، استحب له أن يتنحنح، أو يحرك نعليه. ولهذا جاء في الصحيح، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا -وفي رواية: ليلا يتخونهم (4) . وفي الحديث الآخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة نهارا، فأناخ بظاهرها، وقال: "انتظروا حتى تدخل عشاء -يعني: آخر النهار -حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة" (5) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن (6) بن سليمان، عن واصل بن السائب، حدثني أبو سورة ابن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله، هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: "يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة، ويتنحنح فيؤذن أهل البيت". هذا حديث غريب (7) . وقال قتادة في قوله: {حتى تستأنسوا} قال: هو الاستئذان. [قال: وكان يقال: الاستئذان] (8) ثلاث، فمن لم يؤذن له فيهن، فليرجع. أما الأولى: فليسمع (9) الحي، وأما الثانية: فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا. ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أولى بالعذر. وقال مقاتل بن حيان في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه، لا يسلم عليه، ويقول: حييت صباحا وحييت مساء، وكان ذلك تحية القوم بينهم. وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم، ويقول: "قد دخلت". فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله، في ستر وعفة، وجعله نقيا نزها من الدنس والقذر والدرن، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} .