مقدمة مفيدة › {قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16) }
ذلك، وهو تعالى لا يشفع عنده أحدإلا بإذنه، {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] ، {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] وقال: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} [مريم: 93 -95] فإذا كان الجميع عبيدا، فلم يعبد بعضهم بعضا بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد الرأي والاختراع والابتداع؟ ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك، وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة، {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] . اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: {أنزل من السماء ماء} أي: مطرا، {فسالت أودية بقدرها} أي: أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء، وهذا صغير فوسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علما كثيرا، ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها، {فاحتمل السيل زبدا رابيا} أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل، وقوله: {ومما يوقدون عليه في النار} هذا هو المثل الثاني، وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة {ابتغاء حلية} أي: ليجعل حلية أو نحاسا أو حديدا، فيجعل متاعا فإنه يعلوه زبد منه، كما يعلو ذلك (1) زبد منه. {كذلك يضرب الله الحق والباطل} أي: إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل؛ ولهذا قال: {فأما الزبد فيذهب جفاء} أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح. وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب، لا يرجع (2) منه شيء، ولا يبقى إلا الماء (3) وذلك الذهب ونحوه ينتفع به؛ ولهذا قال: {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} كما قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] . قال بعض السلف: كنت إذا قرأت مثلا من القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: {وما يعقلها إلا العالمون} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية