مقدمة مفيدة › {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (100) }
هو المنصور الذي يدل عليه السياق. وقوله: {ورفع أبويه على العرش} قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني السرير، أي: أجلسهما معه على سريره. {وخروا له سجدا} أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر رجلا {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} أي: التي كان قصها على أبيه {إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} [يوسف: 4] وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى، عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى. هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث أن معاذا قدم الشام، فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما هذا يا معاذ؟ " فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله فقال: "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت الزوجة (1) أن تسجد لزوجها من عظم (2) حقه عليها" (3) وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، وكان سلمان حديث عهد بالإسلام، فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت" (4) . والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم؛ ولهذا خروا له سجدا، فعندها قال يوسف: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا} أي: هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} [الأعراف: 53] أي: يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا من خير وشر. وقوله: {قد جعلها ربي حقا} أي: صحيحة صدقا، يذكر نعم الله عليه، {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو} أي: البادية. قال ابن جريج وغيره: كانوا أهل بادية وماشية. وقال: كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين، من غور الشام. قال: وبعض يقول: كانوا بالأولاج من ناحية شعب أسفل من حسمى، وكانوا أصحاب بادية وشاء (5) وإبل.