مقدمة مفيدة › {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56) قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين (58) وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (59) }
سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خلق الله النون -وهي الدواة -وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور (1) وقرأ هذه الآية: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} إلى آخر الآية. يخبر تعالى أنه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر (1) كما قال تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي [ومطهرك من الذين كفروا] (2) } [آل عمران: 55] ، وقال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر: 42] ، فذكر في هذه الآية الوفاتين: الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، فقال: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار. وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وفي حال حركتهم، كما قال: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] ، وكما قال تعالى: {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه} أي: في الليل {ولتبتغوا من فضله} [القصص: 73] أي: في النهار، كما قال: {وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا} [النبأ: 10، 11] ؛؛ ولهذا قال هاهنا: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي: ما كسبتم بالنهار {ثم يبعثكم فيه} أي: في النهار. قاله مجاهد، وقتادة، والسدي. وقال ابن جريج (3) عن عبد الله بن كثير: أي في المنام. والأول أظهر. وقد روى ابن مردويه بسنده (4) عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه، ويرد إليه. فإن أذن الله في قبض روحه قبضه، وإلا رد إليه"، فذلك قوله: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} وقوله {ليقضى أجل مسمى} يعني به: أجل كل واحد من الناس، {ثم إليه مرجعكم} أي: يوم القيامة، {ثم ينبئكم} (5) أي: فيخبركم {بما كنتم تعملون} أي: ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.