سورة الأنفال › القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مذكره نعمه عليه: واذكر يا محمد؛ إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك. واختلف
كما: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثني أبي قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: وحدثني الكلبي، عن زاذان، مولى أم هانئ، عن ابن عباس: " أن نفرا، من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أموركم بأمره قال: فقال قائل: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي، فقال: والله ما هذا لكم رأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا: فانظروا في غير هذا. قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه PageEndV11P135 واسترحتم وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب، لتجتمعن عليكم، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا: صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا قال: فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ما أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له. قال: فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكره نعمه عليه وبلاءه عنده: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] ؛ وأنزل في قولهم: «تربصوا به ريب المنون» حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور: 30] وكان يسمى ذلك اليوم: «يوم الزحمة» للذي اجتمعوا عليه من الرأي " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، ومقسم، في قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} [الأنفال: 30] قالا: تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فلما أصبحوا رأوا عليا رضي الله عنه، فرد الله مكرهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرني أبي، عن عكرمة، قال: " لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار، أمر علي بن أبي طالب، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه. فإذا رأوه نائما حسبوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هم بعلي، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. قال: فركبوا الصعب والذلول في طلبه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني عثمان الجريري: أن مقسما، مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس، في قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} [الأنفال: 30] قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علي رضي الله عنه PageEndV11P137 على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا، يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليا رضي الله عنه، رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل ومروا بالغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج على بابه، فمكث فيه ثلاثا " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] قال: اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلمت الأنصار وفرقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه. فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار الندوة، فلما أنكروه قالوا: من أنت؟ فوالله ما كل قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا قال: أنا رجل من أهل نجد سمع من حديثكم وأشير عليكم. فاستحيوا فخلوا عنه. فقال بعضهم: خذوا محمدا إذا اصطبح على فراشه، فاجعلوه في بيت نتربص به ريب المنون والريب: هو الموت، والمنون: هو الدهر قال إبليس: بئسما قلت، تجعلونه في بيت فيأتي أصحابه فيخرجونه فيكون بينكم قتال، قالوا: صدق الشيخ. قال: أخرجوه من قريتكم قال إبليس: بئسما قلت، تخرجونه من قريتكم وقد أفسد سفهاءكم فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم فيأتيكم بالخيل والرجال. قالوا: صدق الشيخ. قال أبو جهل، وكان أولاهم بطاعة إبليس: بل نعمد إلى كل بطن من بطون قريش، PageEndV11P138 فنخرج منهم رجلا فنعطيهم السلاح، فيشدون على محمد جميعا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشا، فليس لهم إلا الدية. قال إبليس: صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيا. فقاموا على ذلك، وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام علي بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله: {ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30] والإثبات: هو الحبس والوثاق، وهو قوله: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} [الإسراء: 76] يقول: يهلكهم. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لقيه عمر، فقال له: ما فعل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، وكذلك كان يصنع بالأمم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخروا بالقتال» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ليثبتوك أو يقتلوك} [الأنفال: 30] قال: كفار قريش أرادوا ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من مكة ". حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه حدثني ابن وكيع قال: ثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه؛ إلا أنه قال: فعلوا ذلك بمحمد حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك} [الأنفال: 30] الآية، هو النبي صلى الله عليه وسلم مكروا به وهو بمكة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} [الأنفال: 30] إلى آخر الآية قال: اجتمعوا فتشاوروا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: اقتلوا هذا الرجل، فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قتل به، قالوا: خذوه فاسجنوه واجعلوا عليه حديدا، قالوا: فلا يدعكم أهل بيته. قالوا: أخرجوه، قالوا: إذا يستغوي الناس عليكم. قال: وإبليس معهم في صورة رجل من أهل نجد. واجتمع رأيهم أنه إذا جاء يطوف البيت ويستسلم أن يجتمعوا عليه فيغموه ويقتلوه، فإنه لا يدري أهله من قتله، فيرضون بالعقل فنقتله ونستريح ونعقله. فلما أن جاء يطوف بالبيت اجتمعوا عليه، فغموه. فأتى أبو بكر، فقيل له ذاك، فأتى فلم يجد مدخلا؛ فلما أن لم يجد مدخلا قال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} [غافر: 28] قال: ثم فرجها الله عنه؛ فلما أن كان الليل أتاه جبريل عليه السلام فقال: من أصحابك؟ فقال: فلان وفلان وفلان. فقال: لا نحن أعلم بهم منك يا محمد، هو ناموس ليل قال: وأخذ أولئك من مضاجعهم وهم نيام. فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقدم أحدهم إلى جبريل، فكحله، ثم أرسله، فقال: «ما صورته يا جبريل؟» قال: كفيته يا نبي الله. ثم