سورة الأعراف › القول في تأويل قوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} [الأعراف: 155] PageEndV10P468 يقول تعالى ذكره: واختار موسى من قومه سبعين رجلا للوقت والأجل الذي وعده الله أن يلقاه فيه بهم للتوبة مما كان من فعل سفهائهم في أمر العجل. كما
حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " إن الله أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدا. فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلما أتوا ذلك المكان، قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته فأرناه، فأخذتهم الصاعقة فماتوا. فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم، واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا، وتطهروا، وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سينا لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله، وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه. فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في PageEndV10P469 الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل، فلما فرغ الله من أمره، وانكشف عن موسى الغمام، أقبل إليهم، فقالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] {فأخذتهم الرجفة} [الأعراف: 78] وهي الصاعقة، فالتقت أرواحهم فماتوا جميعا، وقام موسى عليه السلام يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] قال: كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلا، فاختار سبعين رجلا، فبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا الله أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعط أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. قال موسى: {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} [الأعراف: 155] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا خالد بن حيان، عن جعفر، عن ميمون PageEndV10P470 : " {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] قال: لموعدهم الذي وعدهم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] قال: اختارهم لتمام الوعد " وقال آخرون: إنما أخذتهم الرجفة من أجل دعواهم على موسى قتل هارون. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، وابن وكيع، قالا: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا سفيان، قال: ثني أبو إسحاق، عن عمارة بن عبد السلولي، عن علي، رضي الله عنه، قال: " انطلق موسى وهارون وشبر وشبير، فانطلقوا إلى سفح جبل، فنام هارون على سرير، فتوفاه الله. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفاه الله. قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خلقه ولينه أو كلمة نحوها قال: فاختاروا من شئتم، قال: فاختاروا سبعين رجلا. قال: فذلك قوله: {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] قال: فلما انتهوا إليه قالوا: يا هارون من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد، ولكنني توفاني الله. قالوا: يا موسى لن نعصي بعد اليوم، قال: فأخذتهم الرجفة. قال: فجعل موسى يرجع يمينا وشمالا، وقال: يا {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} [الأعراف: 155] قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن رجل، من بني سلول، أنه سمع عليا، رضي الله عنه يقول في هذه الآية: " {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] قال: كان هارون حسن الخلق محببا في بني إسرائيل. قال: فلما مات دفنه موسى. قال: فلما أتى بني إسرائيل، قالوا له: أين هارون؟ قال: مات. فقالوا: قتلته، قال: فاختار منهم سبعين رجلا. قال: فلما أتوا القبر، قال موسى: أقتلت أو مت؟ قال: مت. قال: فأصعقوا، فقال موسى: رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت؟ يقولون: أنت قتلتهم، قال: فأحيوا وجعلوا أنبياء " حدثني عبد الله بن الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبي، قال، ثنا الربيع بن حبيب، قال: سمعت أبا سعيد، يعني الرقاشي، وقرأ، هذه الآية: " {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] فقال: كانوا أبناء ما عدا عشرين ولم يتجاوزوا الأربعين، وذلك أن ابن عشرين قد ذهب جهله وصباه، وأن من لم يتجاوز الأربعين لم يفقد من عقله شيئا " وقال آخرون: إنما أخذت القوم الرجفة لتركهم فراق عبدة العجل، لا لأنهم كانوا من عبدته. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] فقرأ حتى بلغ: {السفهاء منا} [الأعراف: 155] ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: «إنما تناولتهم الرجفة؛ لأنهم لم يزايلوا القوم حين نصبوا العجل، PageEndV10P472 وقد كرهوا أن يجامعوهم عليه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] ممن لم يكن قال ذلك القول على أنهم لم يجامعوهم عليه، فأخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم يكونوا باينوا قومهم حين اتخذوا العجل. فلما خرجوا ودعوا، أماتهم الله ثم أحياهم. {فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} [الأعراف: 155] " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: قال مجاهد: " {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] والميقات: الموعد. فلما أخذتهم الرجفة بعد أن خرج موسى بالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء، فلم يستجب لهم، علم موسى أنهم قد أصابوا من المعصية ما أصابه قومهم " قال ابن سعد: فحدثني محمد بن كعب القرظي، قال: لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ويأمروهم بالمعروف. قال: فأخذتهم الرجفة فماتوا، ثم أحياهم الله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن سعيد بن حيان، عن ابن عباس: «إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، إنما أخذتهم الرجفة؛ إنهم لم يرضوا ولم ينهوا عن العجل» PageEndV10P473 حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، قال: ثنا سعيد بن حيان، عن ابن عباس، بنحوه. واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: {قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] فقال بعض نحويي البصرة: معناه: واختار موسى من قومه سبعين رجلا، فلما نزع من أعمل الفعل، كما قال الفرزدق: [البحر الطويل] ومنا الذي اختير الرجال سماحة %~% وجودا إذا هب الرياح الزعازع وكما قال الآخر: [البحر البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به %~% فقد تركتك ذا مال وذا نشب وقال الراعي: [البحر البسيط] اخترتك الناس إذ غثت خلائقهم %~% واعتل من كان يرجى عنده السول وقال بعض نحويي الكوفة: إنما استجيز وقوع الفعل عليهم إذا طرحت من؛ لأنه مأخوذ من قولك: هؤلاء خير القوم، وخير من القوم، PageEndV10P474 فإذا جازت الإضافة مكان «من» ولم يتغير المعنى، استجازوا أن يقولوا: اخترتكم رجلا، واخترت منكم رجلا وقد قال الشاعر: [البحر الطويل] فقلت له اخترها قلوصا سمينة وقال الراجز: [البحر الرجز] تحت التي اختار له الله الشجر بمعنى: اختارها له الله من الشجر. وهذا القول الثاني أولى عندي في ذلك بالصواب؛ لدلالة الاختيار على طلب «من» التي بمعنى التبعيض، ومن شأن العرب أن تحذف الشيء من حشو الكلام إذا عرف موضعه، وكان فيما أظهرت دلالة على ما حذفت، فهذا من ذلك إن شاء الله. وقد بينا معنى الرجفة فيما مضى بشواهدها، وأنها ما رجف بالقوم وأرعبهم وحركهم وأهلكهم بعد، فأماتهم أو أصعقهم، فسلب أفهامهم. وقد ذكرنا الرواية في غير هذا الموضع، وقول من قال: إنها كانت صاعقة أماتتهم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فلما أخذتهم الرجفة} [الأعراف: 155] ماتوا ثم أحياهم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155] اختارهم موسى لتمام الموعد. {فلما أخذتهم الرجفة} [الأعراف: 155] ماتوا ثم أحياهم الله " حدثني عبد الكريم، قال: ثنا إبراهيم، قال: ثنا سفيان، قال: قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {فلما أخذتهم الرجفة} [الأعراف: 155] قال: رجف بهم "