سورة المائدة › القول في تأويل قوله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله
بجارحة كجوارح بني آدم. قالوا: وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن خصوصية آدم بما خصه به من خلقه إياه بيده. قالوا: ولو كان لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم، إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته ومشيئته في خلقه تعمه وهو لجميعهم مالك. قالوا: وإذا كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقه إياه بيده دون غيره من عباده، كان معلوما أنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى اليد من الله القوة والنعمة أو الملك في هذا الموضع. قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون إن يد الله في قوله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} [المائدة: 64] هي نعمته، لقيل: بل يده مبسوطة، ولم يقل: بل يداه، لأن نعمة الله لا تحصى بكثرة؛ وبذلك جاء التنزيل، يقول الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [النحل: 18] قالوا: ولو كانت نعمتين كانتا محصاتين قالوا: فإن ظن ظان أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة، فذلك منه خطأ؛ وذلك أن العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه، وذلك كقول الله تعالى ذكره: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2]، وكقوله: {لقد خلقنا الإنسان} [البلد: 4] وقوله: {وكان الكافر على ربه ظهيرا} [الفرقان: 55] قال: " فلم يرد بالإنسان والكافر في هذه الإماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن