سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} [النساء: 171] يعني جل ثناؤه بقوله: {إنما المسيح عيسى ابن مريم} [النساء: 171] ما المسيح أيها الغالون في دينهم من أهل الكتاب بابن الله كما تزعمون، ولكنه عيسى ابن مريم دون غيرها من الخلق
وأما قوله: {وكلمته ألقاها إلى مريم} [النساء: 171] فإنه يعني بالكلمة: الرسالة التي أمر الله ملائكته أن تأتي مريم بها، بشارة من الله لها التي ذكر الله جل ثناؤه في قوله: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} [آل عمران: 45] يعني: برسالة منه، وبشارة من عنده وقد قال قتادة في ذلك ما: حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر , عن قتادة: {وكلمته ألقاها إلى مريم} [النساء: 171] قال: " هو قوله: كن فكان " وقد بينا اختلاف المختلفين من أهل الإسلام في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: {ألقاها إلى مريم} [النساء: 171] يعني: أعلمها بها وأخبرها، كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة، بمعنى أخبرتك بها , وكلمتك بها. وأما قوله: {وروح منه} [النساء: 171] فإن أهل العلم اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى قوله: {وروح منه} [النساء: 171] ونفخة منه , لأنه حدث عن نفخة جبريل عليه السلام في درع مريم بأمر الله إياه بذلك , فنسب إلى أنه روح من الله، لأنه بأمره، كان، قال: وإنما سمى النفخ روحا لأنها ريح تخرج من الروح، PageEndV07P704 واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفة نار نعتها: [البحر الطويل] فلما بدت كفنتها وهي طفلة %~% بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبرا وقلت له ارفعها إليك وأحيها %~% بروحك واقتته لها قيتة قدرا وظاهر لها من بائس الشخت واستعن %~% عليها الصبا واجعل يديك لها سترا فلما جرت للجزل جريا كأنه %~% سنا البرق أحدثنا لخالقها شكرا وقالوا: يعني بقوله: أحيها بروحك: أي أحيها بنفخك. وقال بعضهم: يعني بقوله: {وروح منه} [النساء: 171] أنه كان إنسانا بإحياء الله له بقوله: كن , قالوا: وإنما معنى قوله: {وروح منه} [النساء: 171] وحياة منه، بمعنى: إحياء الله إياه بتكوينه. وقال بعضهم: معنى قوله: {وروح منه} [النساء: 171] ورحمة منه كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: {وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22] . قال: ومعناه في هذا الموضع: ورحمة منه. قال: فجعل الله عيسى رحمة منه على من اتبعه وآمن به وصدقه، لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد. PageEndV07P705 وقال آخرون: معنى ذلك: وروح من الله خلقها فصورها، ثم أرسلها إلى مريم , فدخلت في فيها، فصيرها الله تعالى روح عيسى عليه السلام