سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما} [النساء: 162] هذا من الله جل ثناؤه استثناء، استثنى من أهل الكتاب من اليهود
ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الزبير، قال: قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة} [النساء: 162] قال: " إن الكاتب لما كتب {لكن الراسخون في العلم منهم} [النساء: 162] حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له اكتب {والمقيمين الصلاة} [النساء: 162] فكتب ما قيل له " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه سأل عائشة عن قوله: {والمقيمين الصلاة} [النساء: 162] وعن قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون} وعن قوله: {إن هذان PageEndV07P681 لساحران} [طه: 63] فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب " وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: " والمقيمون الصلاة. وقال آخرون، وهو قول بعض نحويي الكوفة والبصرة: والمقيمون الصلاة من صفة الراسخون في العلم , ولكن الكلام لما تطاول واعترض بين الراسخين في العلم والمقيمين الصلاة ما اعترض من الكلام فطال نصب المقيمين على وجه المدح، قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته إذا تطاولت بمدح أو ذم خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانا ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله، وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه، وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب، واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرناها في PageEndV07P682 قوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء} [البقرة: 177] وقال آخرون: بل المقيمون الصلاة من صفة غير الراسخين في العلم في هذا الموضع وإن كان الراسخون في العلم من المقيمين الصلاة، وقال قائلو هذه المقالة جميعا: موضع المقيمين في الإعراب خفض، فقال بعضهم: موضعه خفض على العطف على ما التي في قوله: {يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [البقرة: 4] ويؤمنون بالمقيمين الصلاة. ثم اختلف متأولو ذلك في هذا التأويل في معنى الكلام، فقال بعضهم: معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وبإقام الصلاة. قالوا: ثم ارتفع قوله: والمؤتون الزكاة، عطفا على ما في يؤمنون من ذكر المؤمنين، كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك هم والمؤتون الزكاة. وقال آخرون: بل المقيمون الصلاة: الملائكة. قالوا: وإقامتهم الصلاة: تسبيحهم ربهم واستغفارهم لمن في الأرض. قالوا: ومعنى الكلام: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال جل ثناؤه: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] وأنكر قائلو هذه المقالة أن يكون PageEndV07P683 المقيمين منصوبا على المدح؛ وقالوا: إنما تنصب العرب على المدح من نعت من ذكرته بعد تمام خبره؛ قالوا: وخبر الراسخين في العلم قوله: {أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما} [النساء: 162] قال: " فغير جائز نصب المقيمين على المدح وهو في وسط الكلام ولما يتم خبر الابتداء وقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. وقالوا: موضع المقيمين خفض وقال آخرون: معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة وقال أبو جعفر: وهذا الوجه والذي قبله منكر عند العرب، ولا تكاد العرب تعطف الظاهر على مكني في حال الخفض وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها. وأولى الأقوال عندي بالصواب، أن يكون المقيمين في موضع خفض نسقا على ما التي في قوله: {بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [البقرة: 4] وأن يوجه معنى المقيمين الصلاة إلى الملائكة، فيكون تأويل الكلام: والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنزل إليك يا محمد من الكتاب وبما أنزل من قبلك من كتبي وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة؛ ثم يرجع إلى صفة الراسخين في العلم فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم، والمؤمنون بالكتب، والمؤتون الزكاة، والمؤمنون بالله واليوم الآخر. PageEndV07P684 وإنما اخترنا هذا على غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب: والمقيمين، وكذلك هو في مصحفه فيما ذكروا، فلو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه بخلاف ما هو في مصحفنا وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبي في ذلك ما يدل على أن الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخط، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون من علموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم , ولقنوه للأمة تعليما على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعا ذلك قراءة على ما هو به في الخط مرسوما أدل الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب. وأما من وجه ذلك إلى النصب على وجه المدح للراسخين في العلم وإن كان ذلك قد يحتمل على بعد من كلام العرب لما قد ذكرنا قبل من العلة , وهو أن العرب لا تعدل عن إعراب الاسم المنعوت بنعت في نعته إلا بعد تمام خبره، وكلام الله جل ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلى الذي هو به من الفصاحة. وأما توجيه من وجه ذلك إلى العطف به على الهاء والميم في قوله: {لكن الراسخون في العلم منهم} [النساء: 162] أو إلى العطف به على الكاف من قوله: {بما أنزل إليك} [البقرة: 4] أو إلى الكاف من قوله: {وما أنزل من قبلك} [البقرة: 4] فإنه أبعد من الفصاحة PageEndV07P685 من نصبه على المدح لما قد ذكرت قبل من قبح رد الظاهر على المكني في الخفض. وأما توجيه من وجه المقيمين إلى الإقامة، فإنه دعوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنزيل ولا خبر تثبت حجته، وغير جائز نقل ظاهر التنزيل إلى باطن بغير برهان. وأما قوله: {والمؤتون الزكاة} [النساء: 162] فإنه معطوف به على قوله: {والمؤمنون يؤمنون} [النساء: 162] وهو من صفتهم. وتأويله: والذين يعطون زكاة أموالهم من جعلها الله له وصرفها إليه {والمؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 162] يعني: والمصدقون بوحدانية الله وألوهيته , والبعث بعد الممات، والثواب والعقاب {أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما} [النساء: 162] يقول: " هؤلاء الذين هذه صفتهم سنؤتيهم، يقول: سنعطيهم أجرا عظيما , يعني: جزاء على ما كان منهم من طاعة الله، واتباع أمره، وثوابا عظيما , وذلك الجنة