البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

تفسير الطبري (جامع البيان)

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ)

ت. عبد الله بن عبد المحسن التركي · دار هجر · ١٤٢٢هـ · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} قد دللنا فيما مضى قبل على معنى خداع المنافق ربه ووجه خداع الله إياهم، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، مع اختلاف

المختلفين في ذلك. فتأويل ذلك: أن المنافقين يخادعون الله بإحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم، والله خادعهم بما حكم فيهم من منع دمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان، مع علمه بباطن ضمائرهم، واعتقادهم الكفر , استدراجا منه لهم في الدنيا حتى يلقوه في الآخرة، فيوردهم بما استبطنوا من الكفر نار جهنم. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] قال: «يعطيهم يوم القيامة نورا يمشون به مع المسلمين كما كانوا معهم في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بالسور» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] قال: " نزلت في عبد الله بن أبي PageEndV07P612 وأبي عامر بن النعمان، وفي المنافقين؛ يخادعون الله وهو خادعهم، قال: مثل قوله في البقرة: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم} [البقرة: 9] . قال: وأما قوله: {وهو خادعهم} [النساء: 142] فيقول: في النور الذي يعطى المنافقون مع المؤمنين، فيعطون النور، فإذا بلغوا السور سلب , وما ذكر الله من قوله: {انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] قال: " قوله: {وهو خادعهم} [النساء: 142] حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحسن , أنه كان إذا قرأ: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] قال: " يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به، حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، ومضى المؤمنون بنورهم، فينادونهم: {انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] إلى قوله: {ولكنكم فتنتم أنفسكم} [الحديد: 14] قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم " وأما قوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس} فإنه يعني: أن المنافقين لا يعملون شيئا من الأعمال التي فرضها الله على المؤمنين على وجه التقرب بها إلى الله، لأنهم غير موقنين بمعاد ولا ثواب ولا عقاب، وإنما يعملون ما عملوا من الأعمال الظاهرة بقاء على أنفسهم وحذرا PageEndV07P613 من المؤمنين عليها أن يقتلوا أو يسلبوا أموالهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة التي هي من الفرائض الظاهرة، قاموا كسالى إليها، رياء للمؤمنين , ليحسبوهم منهم وليسوا منهم؛ لأنهم غير معتقدي فرضها ووجوبها عليهم، فهم في قيامهم إليها كسالى. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} [النساء: 142] قال: «والله لولا الناس ما صلى المنافق ولا يصلي إلا رياء وسمعة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس} قال: «هم المنافقون، لولا الرياء ما صلوا» وأما قوله: {ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] فلعل قائلا أن يقول: وهل من ذكر الله شيء قليل؟ قيل له: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، إنما معناه: ولا يذكرون الله إلا ذكرا رياء، ليدفعوا به عن أنفسهم القتل والسباء وسلب الأموال، لا ذكر موقن مصدق بتوحيد الله مخلص له الربوبية، فلذلك سماه الله قليلا، لأنه غير مقصود به الله ولا مبتغى به التقرب إلى الله، ولا مرادا به ثواب الله، وما عنده فهو وإن كثر من وجه نصب عامله، وذاكره في معنى السراب الذي له ظاهر بغير حقيقة ماء.

تفسير الطبري (جامع البيان) · الجزء ٧ · ص ٦١٣

الإحالة: (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٦١٣)